إنّه شهر الرحمة والمغفرة، هي أيام قيمتها بالسنوات، ساعات ما بين الفجر والغروب. تُعلّمنا دروساً في الصبر والتفكير في الآخر والتراحم والتكاتف وحب مساعدة الآخر. فلو بدأت بتعداد فوائد ذلك الشهر الكريم لما انتهيت منها لما يمتلك شهر الصيام من هدايا للإنسان المسلم تُغنيه عن الدنيا وما فيها. هي فرصة تأتي في العام مرة واحدة. فقد فاز من اغتنمها وخاب من مرّت به أيام رمضان دون استثمارها خير استثمار.
أحياناً تأخذنا ذكريات طفولتنا، لطاولة خشبية كانت تتزين في وقت الفطور الرمضاني من كل يوم إيذاناً بموعد استقبال أحبائِها من أفراد الأسرة، فتلك المائدة هي جزءٌ من تاريخهم اليومي، حيث يتبادل أفراد الأسرة نظرات الاشتياق والكلمات الطيبة، ويبدأ تدفق أطباق الطعام لتلك المائدة، وبعد التأكد من كامل الحضور على المائدة. ومع شروع أذان الغروب يعلن رب الأسرة بداية وجبة الطعام الأسرية التي تمُد أفراد الأسرة بالطاقة الجسدية، وتحرر الطاقة العاطفية والوجدانية، التي يتدفق معها دفء حميمي لا يتكرر إلا على تلك المائدة العائلية، التي أصبحنا ننتظر شهر رمضان من كل عام حتى نفرح بذلك اللقاء الأسري!
فلقد تطورت الحياة بشكل أكبر مما يتخيله العقل، ولم نستطع مجاراة ذلك التطور السريع، فتغيرت الأولويات، وما كان ضرورياً في الزمان القريب أصبح تكميلياً وحتى هامشياً في بعض الأحيان، فتوفير مصاريف ومتطلبات الأسرة المادية التي لا تنتهي، أهم من لحظات الحب والعطف الذي أصبح الأبناء يسمعون عنه أكثر مما يرونه ويشعرون به، فتجمّع أفراد الأسرة على مائدة واحدة أصبح صوراً تلفزيونية أكثر مما هو في الواقع! ومن محاسن الشهر الكريم الكبيرة إتاحة الفرصة للقاء الاسرة على مائدة واحدة، فالله ما أجملك يا شهر الرحمة!
أيتها الأسرة انقل لكم اشتياق المائدة الرمضانية لكم، تلك المائدة التي هجرتموها شهوراً كثيرة. وهي اليوم تحفظ أرقام اجهزتكم المحمولة وأشكالها أكثر من منكم. فجاء شهر رمضان الكريم ليعيد فرصة اللقاء الأسري، ولكن إذا ما حان وقت تلك الجلسة العائلية وامتلأت تلك المائدة بكم، فـ «أفطروا» ولكن دعوا «أجهزتكم المحمولة» تتابع صيامها بعيداً عنكم وعن تلك المائدة العائلية التي تتوق لنظراتكم وحديثكم! ولا تحتاج صوراً وفلاشات لتوثيق اللحظة؛ فتلك المائدة تحوي قدرة تخزينية كبيرة للذكريات أيضاً!
شهر رمضان الكريم هو فرصة التقرّب الأسري، وكم نحتاج أن نكون أقرب لبعضنا اليوم!

د. عبدالفتاح ناجي
abdelfttahnaji@yahoo.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات