أتجول بالسيارة في شوارع الكويت والحصى يتطاير من حولي.. لكثرة السيارات وسرعتها وتدفقها ظننت نفسي للحظة فارساً في خضم معركة محتدمة.. فالسيف الهندي آتٍ من هنا، والرمح اليماني من هناك، والخناجر العمانية مما بينهما..
حاولت التقاط أنفاسي والظفر باستراحة مقاتل، فتحت الراديو فسمعت صوتاً جميلاً يشدو:
«يا ساحل الفنطاس يا ملعب الغزلان/ يا متعة الجلاس يا سامر الخلان».
قلبت المحطة وإذا بصوتٍ جهوري يرعد ويزبد متوعداً الكفرة والفاسقين بعذاب الآخرة.. غيرت المحطة فكانت أغنية «.. we love you» ضمن تقرير اخباري.. أدهشني تطابق منطق جميع أغاني السياسيين العرب التي تنبت من ذات الوعي الباطن..
رنَّ إنذار تويتر، وإذا بخبر انتصار الزميل سعود السنعوسي على جهابذة الرقابة الكويتية.. فرحت له كما فرحت للزميل أحمد الصراف الذي فاز بذات المعركة قبل بضعة أسابيع.. واستغربت لأمةٍ ينصف قضاتها أدباءها من جور الذين وضعوهم على قائمة المنع والذين يفترض أنهم زملاؤهم في الأدب..
سمعت أصوات «هرنات».. نظرت بالمرآة وإذا بثلاث سيارات مقبلة من قلب الظلام تزمجر وتقوم بـ«بيتوينات».. شابان يلاحقان فتاة، فينضموا جميعاً لمعركة الشارع باندفاعٍ بطولي.. وإذ تعمي عيوني لافتة «لا تفرّش أسنانك» و«متى كانت آخر مرة؟».. هربت من الشارع لأنهج البحر، وإذا بلافتاتٍ دينية تقسم الأمة إلى فسطاطين وأكثر تصدم بصري وبصيرتي..
قلت بيني وبين نفسي ربما ان معركة الشارع اليومية خيرٌ لنا من أن يكون لدينا مشروع وطني واضح المعالم يخرجنا من هذه الفوضى التي تُردي كل من يحاول تنظيمها ميتاً.. ربما خيرٌ لنا أن تسود الأمية على المعرفة في هذي المعركة التي هي نتيجة استلاب أي رؤية ثقافية لهذا الوطن.. نتيجة الزواج المشؤوم بين منظومة الرأسمالية العوجاء التي ترى أن ما يستحق البقاء سيبقى بإرادة السوق وأن من لا يستحق عليه أن يموت.. وبين منظومة الاشتراكية العرجاء التي تصر على تكديس الموظفين في إدارات الدولة قاتلةً كل إبداع.. ففهمت أخيراً حيرة الحكومات المتتالية أمام هذا الوضع المزري واستياء مستشاريها الأجانب في تحليلاتهم.. وعزفت عن انتقادهم وكأنما شفعت لهم الفوضى المتفشية.. وكان أملي الوحيد أن أصل إلى بيتي وأحمد ربي وأنام.. لأفيق صباحاً وأجهز عتادي لأدخل من جديد معركة كل يوم!

سليمان البسام

مؤلف ومخرج مسرحي
@SAB_Op

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات