قُلْتُ:
يا شوق قلبي للغايب يا شوقه
قمت احتيره بشوفة الـقمرة
فاق الوصايف بـــحلا ذوقـه
صرت أنا دايم طوعه وأمـره

ليس هناك أجمل من تباريح الشوق في حب تألفه، وصَبٍ تعشقه، وقرب تشتاق إليه وقتك، ومن لواحق الشوق ولوازمه «الحنين»، فعندما تفارق محباً يُجبرك «الحنين» للعودة إليه، عودة تجد جمالها في كل جاذب لك، دافعاً كل مباعد. فنفسك لن تدعك وشأنك، بل تنازعك السير حثيثاً إليه، و«الحنين» أجمل جامع.
ربما تأخذك سرحات الخيال، فتتذكر الوقفات، والمواقع والصفات، تتذكر الأفعال والكلمات، تمضي هادرة، تحطم سكون الصمت، تنزع لباس اليوم، وتلبس لباس الأمس، تسير في كل خطوة حَذَرٍ تخشى حتى الهمس، كل ذلك و«الحنين» سارق الخطى، يردد في صداك: «لا همس، لا همس».
تسير بك الأفكار سير الغمام بلا ريث، فكرة تقربك اللحظة، وأخرى نائية عصية، تتمنى لو قَرُبَت لتستشعرها بتفاصيلها، لكن جمالها حيث هي بعيدة المنال. فأحياناً لغة العقل لا تبدو مفهومة لأنها ببساطة متوهمة، إذ ليس كل شعور علينا فهم مغزاه، فالعاطفة تسوقه دونما تعقل ولا تدبر، لذا فهو الجمال مجرداً في أبهى صوره، خرج طواعية يجره «الحنين».
طريق «الحنين» طويلة تجد فيها قافلة من غاب عن دنياك، وترك لك صوته يتردد في ذاكرتك وصداك، في داخلك إن أردت استرجاع اللحظات التي عشتموها معاً، تتذكر ملامح لن تغيب عن مخيلتك إن استرجعتها، يجذبك إليها «الحنين»، حتى تسكن نفسك، ويهدأ خفقان قلبك، وقد تذرف دمعة عزيزة جميلة تحاكي جمال الذكرى.
وحده «الحنين» يجعل للحياة معنى آخر، فإن غابت الصور، لم تغب المواقف والألفاظ والعبارات التي غالباً ما تحفظ في الذاكرة، فتتردد صداها في نفوس اشتاقت إلى اللقاء، وتاقت حتى صارت تحكي قصص الراحلين، لتكون للباقين عبرة وعظة.
ذاك «الحنين» وبقايا الشوق، فمن يقوىٰ على تجاوزها أو الخلاص منها، فرغم الحزن والحسرة، تعطينا جميل التذكار، وتُرغِبُنَا في وصل من نحب حياة أو مماتاً، وكأنها تماثل الروح حياة في أجسادنا وعقولنا فكراً وتذكاراً.

د. سعود محمد العصفور
dr.al.asfour@hotmail.co.uk

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات