كثر الحديث ولن يهدأ بين المواطنين عن ثروتنا الوطنية بعد النفط. ومهما تحدثنا عن موارد جديدة بديلة، إلا أنه تبقى الثروة الحقيقية هي رأس المال الإنساني.
نعرف جيداً أن تحقيق هذا الاستثمار، تمر مراحله بصعوبة، وتواجهه تحديات كثيرة، ولكن الابتعاد عنه وإهماله سوف يربكنا، ويعيق نمو الديرة الاقتصادي المتطور.
فحين بدأت الدول المهزومة في الحرب العالمية الثانية بالنظر إلى تحسين وضعها، والتغلب على خسائرها بعد انتهاء هذه الحرب ــ كاليابان مثلاً ــ ركزت على تنمية الفرد، ليزداد تطوراً يوماً بعد آخر، فالتفتت إلى شمولية التنمية، فشملت جميع مناحي الحياة كالتنمية السياسية، الإدارية، التعليمية، الصحية، الثقافية، وكان الإنسان هو العنصر الأساسي والمحرك الديناميكي لنجاح هذه المجالات الحيوية وتطويرها، يزامله النمو الاقتصادي للدولة. وبالتالي انصب الاهتمام الكلي على تطوير مهارات ذلك الإنسان وقدراته، ومن ثم الاعتماد على أبحاثه العلمية وخبراته.
إذا، تكمن أهمية التنمية البشرية في خلق مجتمع طموح قادر على تحقيق ذاته، واثق بمهاراته وقدراته وإمكاناته، لبناء نمط حياة حضاري راق لنفسه ولبلده. ولأن رخاء الأمم والشعوب لا يأتي إلا من التنمية البشرية والنمو الاقتصادي، إذاً نحن في الكويت بحاجة ملحة إلى التنمية البشرية اليوم أكثر من أي وقت مضى.
لو تحدثنا عن التنمية عامة، كخصوصية كويتية آنية، فسنجد أننا كمواطنين نطمح في مستوى عال من كل أشكال هذه التنمية وعناصرها المختلفة. فتحقيق الديموقراطية والإيمان بها وتفعيلها بالشكل الصحيح، هي اليوم تشكو من فراغ سياسي، تشريعي، تنظيمي، بمعنى شبه غائبة، تاركة كل شيء في الديرة على البركة. الاهتمام بالأوضاع السكنية للمواطن، وذلك بتوفير سكن مريح له ولأسرته، وبناء المدن الجديدة، التي أصبحت كعين عذاري «تروي البعيد وتخلي القريب»، نسمع بها كثيراً، ونقرأ عنها أكثر، لكنها معطّلة، فيبدو أن الخطة الإسكانية تحاكي السلحفاة بمشيتها. التعليم ..«هناك غصة» فلا تزال المناهج تفتقد التطوير والتحديث، وعناصر التكنولوجيا المتطورة. ولو نظرنا بدقة إلى التنمية الصحية، فهي اليوم تكاد تكون بطيئة، إن لم تكن منسية. أما تطوير الأساليب الإدارية، وتطوير أداء الموظفين لرفع مهاراتهم الفنية والإدارية، فكيف تحدث التنمية في غياب وسائل التكنولوجيا الحديثة، والمعلومات المطلوبة؟ لو نظرنا عن قرب إلى التنمية الثقافية في الديرة، فهي آخر «هم» حكومتنا الرشيدة ومجلس أمتنا الموقر، والمؤسسات الثقافية العامة والخاصة، فهي عنصر دخيل لا يهم الجميع. أما هجر الحياة الاستهلاكية، وإيجاد فرص عمل مهنية وحرفية للشباب بتفعيل المشاريع الصغيرة مثلاً.. فكيف يحدث هذا ولا يزال أغلبنا كمواطنين يقترض من البنوك لينفق على المواد الاستهلاكية على أمل أن تسارع الدولة لإسقاط القروض؟!
***
التنمية عامة، يراد لها مواطن طموح، منتج لا مستهلك فقط، متحرك، إيجابي، وحكومة مسؤولة ذات خطط مستقبلية تنموية منهجية، متطورة سريعة التنفيذ، ومجلس أمة يعمل ليشرّع بالحق والعدل، ويراقب بعين قادرة، فاحصة، حكيمة.
هذه حالنا، فكيف نساهم في خلق وتشكيل إنسان الغد، الطموح الواعي، القوي المتماسك، الذي يستطيع أن يقاوم التحديات العالمية التي تحيط به/ بنا اليوم من كل حدب وصوب، والقادر على تحقيق التعايش مع الوضع العالمي المقبل، الذي نجهل أبعاده، ومتغيراته الجغرافية والاقتصادية والسياسية وغيرها؟!

منى الشافعي

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات