لكلّ إنسان صندوق أسود يسكن عميقاً داخل ذاته، يحفظ فيه الإنسان جميع المحادثات (داخلية الصنع)، وبعضاً من خيالاته وحواراته الذاتية مع نفسه، وقليلاً من أمنيات لم تتحقق، ومجموعة عواطف ومشاعر لم يكتب لها أن تخرج، ذلك الصندوق الأسود يسكن به كل ما يقع تحت عنوان «سرّي للغاية». ويشعر الإنسان بالضيق والتوتر والانزعاج إذا ما حاول أحدهم فتح ذلك الصندوق الخاص. فذلك كما اقتحام الغرف المغلقة، لكل إنسان مساحة «خاصة» لا يرغب مشاركتها مع أحد، فلا تثقل بالسؤال، ولا تسعى الى اقتحام أماكن أنت غير مرحّب بك داخلها، فأنت لا ترغب أن يسعى أحد الى دخول غرفتك المغلقة أيضاً!
تعيش بعض أصناف البشر من خلال البحث في حياة الآخرين والتلصص داخلها، لتعرف ما لا يجب أن تعرف، وترى وتسمع ما ليس من حقها سماعه ومشاهدته، لدى البعض حاجة دائمة للتعرف على أمور لن تضيف شيئاً له، بل قد تكون من باب الفضول لا أكثر، فتراه يُمطر الآخر بالسؤال عن عُمره بالضبط! ومجموع دخله وراتبه مع الامتيازات! وعدد من الأسئلة الخاصة، مع حرص شديد في الحصول على إجابات شافية!
نعم، لن يضيف لك شيئاً إن تدخلت في حياة الآخرين من دون رغبتهم، كما أنّ فضولك غير المبرر سيعود عليك بإرهاق نفسي أنت لا حاجة لك به، وإن كنت ترى نفسك ذا عقلية حكيمة، فابدأ بترتيب بيتك الداخلي داخل نفسك، فهذا فقط ما يجب أن يعنيك، أمّا لو كانت النيّة نصح الآخر وتوجيهه دون الدخول عميقاً في خصوصياته، فاختر أسلوباً وتوقيتاً مناسباً لتوصيل تلك النصيحة الطيبة! للتذكير فقط، إن كنت تمتلك لساناً فللبشر ألسن أيضاً، وإن امتلكت أسواراً تعيش داخلها فهناك من يستطيع تسلّقها أيضاً، فلا تقحم نفسك في أعماق الآخرين، ما دمت لن تضيف لهم شيئاً.
يعاني بعض البشر من الفضول «المَرَضي»، الذي يؤذي الآخرين حوله دونما إدراك عواقب ذلك السلوك، تذكروا يا أيّها «الفضوليون» أنّكم تسكنون «بيوتاً زجاجية»، فلا تقتحموا غرفاً لا يريد أصحابها اطلاعكم عليها. ولا تفتحوا كتباً أنتم لا تملكون حق قراءتها، فمن تدخّل فيما لا يعنيه حتماً سيكون الرد بما لا يرضيه! يعيش الإنسان زمانه يحمي ذلك الصندوق الأسود، ومحتفظاً بمفتاح غرفته المغلقة، تلك الغرفة التي تعيش في كلّ واحد منّا، فإن اردتم سعادتكم وسعادة الآخرين فاتركوا تلك الغرف محكمة الإغلاق، فهكذا يريدها أصحابها!

د. عبد الفتاح ناجي
abdelfttahnaji@yahoo.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات