الورقية - نور الإسلامنور الإسلام

الإسْرَاف والتبذير في الولائم والمناسبات

إشراف موسى الأسود للتواصل:

q8aswad@hotmail.com

جرت سنة الله عز وجل في عباده أن يعاملهم بحسب أعمالهم، «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ»، وقال تعالى: «وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا» وإذا تمرد العباد على خالقهم وفسقوا عن أمره وكفروا نعمه، أنزل بهم بأسه وبدل حالهم من السعة الى الضيق و أحل بهم النقم. ويروى عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى كسرة ملقاة فمسحها، فقال: يا عائشة أحسني جوار نعم الله عز وجل فإنها ما نفرت عن أهل بيت فكادت أن ترجع إليهم. وقال علي رضي الله عنه: احذروا نفار النعم، فما كل شارد مردود. فالشكر على النعم يحفظها من الزوال، وكفران النعم مقدمة لزوالها قال تعالى «ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ»، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم «فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ» فمن أسباب وقوع العذاب، وحلول النقمة والعقوبة، كفر نعم الله تعالى، «وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ»، ومن سنن الله التي لا تتبدل ولا تتغير «وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا»، ولا يرفع هذا البلاء والنقمة الا النصح والعودة الى جادة الحق والصواب. «فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ . وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ».

الإسراف والتبذير
الإسراف والتبذير من صفات إخوان الشياطين: «وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا»، والاسراف مذموم حتى في العبادات ووسائلها، فقد كان النبيَّ صلى الله عليه وسلم يتوضَّأ بالمُدِّ، ويغتسل بالصَّاع، إلى خمسة أمداد. ونهى المؤمنَ أن يزيد على وضوئه ثلاث مرات؛ فقد جاء أعرابيٌّ إليه صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: هكذا الوضوء؛ فمَن زاد على هذا، فقد أساء، وتعدَّى، وظَلَم. مع أن الوضوء عبادة شرعية، والمسلم مطالب فيها بإسباغ الماء على أعضائه؛ ومع ذلك نُهي عن الإسراف. وفي الحديث: «لا تسرف ولو كنت على نهر جارٍ». وقال صلى الله عليه وسلم: «كلوا واشربوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة». والإسراف يضر بالجسد والمعيشة، والخيلاء تضر بالنفس حيث تكسبها العجب، وهو: إعجاب المرء بفعل نفسه لتبرئتها مما تقوم به. والإسراف مرتبطٌ بمختلف جوانب الحياة المادية والمعنوية؛ فإن له صوراً عديدة وأشكالاً مُختلفة، الأمر الذي يترتب عليه الكثير من المفاسد الدينية والدنيوية التي تُدّمر المجتمعات، وتقضي على الأخلاق، وتعبث بالاقتصاد، وتؤدي إلى الكثير من المضار والآثار السيئة التي يأتي من أعظمها: أن الله تعالى لا يُحب المسرفين. والآيات والأحاديث الدالة على النهي عن الإسراف والتبذير كثيرة، فمن صفات المؤمنين «وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا»، ولأن الإسراف من مساوئ الأخلاق التي تعود على صاحبها وعلى المجتمع والأمة بالكثير من الأضرار، فإن الله عز وجل قد نهى عباده عنه فقال: «يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ». وقال عز وجل: «وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً».

الولائم وحَفَلات الزَّوَاجِ
صور الإسراف كثيرةٌ، فمن ذلك: متابعة الموضة والانشغال بجنون الأزياء والاستجابة لضغوط الحملات الإعلامية الصاخبة التي تحمل كثيراً من متابعيها على شراء ما لا يحتاجون. ومن الإسراف: الإسْرَاف في الولائم، وحَفَلات الزَّوَاجِ، وغَيْرها مِنَ المناسبات، صغيرة أو كبيرة؛ حيثُ تُقدَّم بها الأَطعمةُ أَكْثَرَ من الحاجة، ثم يرمى أكثرها في حاويات القمامة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا، ما لم يُخالطه إسرافٌ أو مخيلةٌ». وقال صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه».

الكهرباء والماء

اتفق الفقهاء على أن الإسراف في استعمال الماء مكروه. وأجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء ولو في شاطئ البحر، لما ورد أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟ قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ». قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ولنعلم أن الإكثار من استخدام الماء في الوضوء أو الغسل داخل في قول الله تعالى: «ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين». ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله: يكره الإسراف ولو كان على نهر جار، فكيف إذا كان على ماكينات تستخرج الماء؟ ويظن بعض الناس ان الإسراف والتبذير يخصان ما يملكونه هم فقط، ولا يشمل ما يكون الناس فيه شركاء، كالإسراف في استخدام المرافق العامة الحيوية، التي تقوم عليها حياة الناس من ماء وكهرباء ونحو ذلك، والإسراف في الماء والكهرباء ونحوهما من مصادر الطاقة والأمور المشتركة بين الناس يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». وإضاعة المال: صرفه في غير وجوهه الشرعية، وتعريضه للتلف، وإضاعة المال المشترك بين الناس أكثر ضرراً من إضاعة الإنسان لماله الخاص به. والإسراف والتبذير يؤديان إلى تبديد الثروات، فكم من ثروة عظيمة وأموال طائلة بددها الإسراف والتبذير، ويكفي فيه أن الله جعله من صفات أهل النار، حيث قال تعالى: «وأن المسرفين هم أصحاب النار».



قراء القبس يتصفحون الآن

الصندوق الأسود

مقالات ذات صلة

إغلاق