من يُنصف ضحايا العدوان الإسرائيلي؟
الخميس الماضي، وقبل أربعة أيام من موعد الانتخابات العامة، احتل عناوين الأخبار في إسرائيل خبر إعادة رفات الجندي الإسرائيلي زاكاري بوميل الذي كان قد فقد أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، واحتفل الإسرائيليون بالحدث الذي يُنظر إليه كهدية انتخابية لرئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، الذي تجري ملاحقته حاليا بتهم جنائية تتراوح بين الفساد والرشوة.
قد تكون هذه القصة بسيطة، ولكن بالنسبة لأي شخص يرتبط بلبنان وبذكريات الحرب المدمّرة التي اندلعت صيف عام 1982، فإنها تذكرة مؤلمة بجروح عميقة لن تلتئم أبدا. كانت تسمى الحرب، ولكن في الواقع ما حدث يمكن أن يطلق عليه «الاغتصاب البربري لبلد ما».
فقد اندفع الإسرائيليون بقوتهم الجوية والمدفعية المتفوقة على جنوب لبنان، وبعد قصف وتدمير الشطر الغربي الجميل من بيروت، بما في ذلك البنية التحتية وحتى المستشفيات، دخلت القوات الإسرائيلية المدينة، وقامت بعمليات النهب والتخريب وترويع السكان المدنيين المحاصرين أثناء انتشارهم عبر أنقاض بيروت.
وبينما يتذكّر بعض الأميركيين مجازر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا (التي ارتكبتها ميليشيات لبنانية متحالفة مع إسرائيل التي فرضت حصارا على محيط المخيمين)، فإن الحرب بأكملها كانت مجزرة، فخلال ثلاثة أشهر فقط قُتل أكثر من 18 ألف شخص (معظمهم من المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين) وأصيب أكثر من 30 ألفاً.
أتذكر هذه الفترة جيداً، لأنني شاركت في جهد بعنوان «أنقذوا لبنان»، وهو مشروع لجلب الأطفال اللبنانيين والفلسطينيين المصابين بجروح خطيرة إلى الولايات المتحدة لتلقي العلاج، الذي لم يكن متاحاً لهم في لبنان. بلغ عدد الأطفال المشوهين الذين وصلوا الى الولايات المتحدة 65، وعاشت الطفلة فايزة أمين مع أسرتي ستة أشهر، بينما كان الأطباء يحاولون إنقاذ ساقها المحطمة. لديّ صورة لفايزة، ولطفلتين أخريَين، هما فاطمة وأمل، على جدار مكتبي. إنه تذكير دائم بألم تلك الحرب. لديّ أيضا بعض أغلفة القنابل العنقودية الإسرائيلية المجوَّفة التي عثرت عليها قرب مخيم فلسطيني جنوبي لبنان. إنها أيضاً بمنزلة تذكير بوحشية تلك الحرب.
وبعد أقل من عقد ونصف العقد، انضممت إلى آل غور (نائب الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون) في مأدبة عشاء، في الكنيست الإسرائيلي. كنت أحد القادة المشاركين لمشروع أطلقه غور في فترة ما بعد أوسلو، للمساعدة في تنمية الاقتصاد الفلسطيني. أعترف بأنني لم أكن مرتاحاً في ذلك العشاء، لأنني كنت العربي الأميركي الوحيد في غرفة ممتلئة بأعضاء الكنيست وغور وبقية أعضاء فريقه. أصبح الأمر غير مريح أكثر عندما جلس جنرال إسرائيلي سابق - هو الآن عضو في الكنيست - قربي، وقال: «أنت لبناني. لقد زرت بلدك. لقد أحببت جماله». فقلت له: «أعرف متى كنت هناك. أنت لم تدخل بلدي زائراً، وأعرف ما الذي فعلته أثناء وجودك هناك. كان الأمر مؤلما جدا، ولست مهتماً لسماع ذلك منك».
تدخّل آل غور، ربما لإنقاذي، بعد أن شعر بعدم ارتياحي، وأخذني للجلوس الى جانب ليا رابين زوجة رئيس الوزراء الراحل. أخبرها بأنني قد زرت للتو عائلتي في لبنان، وشجّعني على الحديث معها.
أتذكر أيضاً منذ تلك الليلة أنها كانت بمكانة الفترة التي سبقت الانتخابات الإسرائيلية عام 1996، ولم تكن إدارة كلينتون ترغب بعمل أي شيء مع نتانياهو، الذي كان ينافس رئيس الوزراء آنذاك شمعون بيريز (الذي خلف رابين في أعقاب الاغتيال). وبدا أن غور يبذل جهدا حازما في عدم التحدث إلى نتانياهو أو حتى الاعتراف به. لاحظت ليا رابين ذلك، في مرحلة ما، وأخبرتني بأن صوتها مليء بالمرارة والحزن، وأنها تحمّل نتانياهو المسؤولية عن التحريض الذي أدى إلى مقتل زوجها.
هذه بعض الذكريات التي عاودتني عندما قرأت مقالة صحيفة نيويورك تايمز. المشكلة هي أنه لا يمكن دفن هذه الذكريات والتخلص منها. والذين قطّعت الحرب أوصالهم لن ينسوا. وستستمر عائلات أولئك الذين قُتلوا في القصف الجوي أو على أيدي الميليشيات، في الحداد على ضحاياها.
ونتانياهو الذي انتُخب عام 1996 على أساس برنامج يعد بالقضاء على عملية السلام، انتُخب لثلاث فترات أخرى. ويستعد الآن للفوز بولاية خامسة.
قد يقول البعض إنني عليّ أن أنسى هذا الماضي الممتلئ بالألم، وأن اتطلع الى المستقبل، ولكن النسيان ليس خيارا. والعدالة هي العلاج الأمثل للجروح القديمة، ولكن مسار الأحداث في إسرائيل يشي بأن العدالة أصبحت أبعد من أي وقت مضى.

د. جيمس زغبي

• رئيس المعهد العربي الأميركي في واشنطن

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات