اقتراح بقانون غريب عجيب، تقدّم به بعض أعضاء مجلس الأمة باسم «غير محددي الجنسية» (أو «البدون»)، ومع كل التقدير والاحترام لمن قدّم هذا الاقتراح، ومع اقراري بأن وضع «البدون» في الكويت هو «ملف مشكلة»، يؤرّق البلد، ويجب أن يحظى بكثير من الجهد والوقت والاهتمام، وأنه لا بد من حله، لكن بالأسلوب والإجراءات وبالضوابط الصحيحة، وليس من ضمنها، بكل تأكيد، الاقتراح بالقانون المقدّم، وقد كان تأخّر الحل والحسم وتعليق المشكلة واحداً من أكثر الأسباب لنشأة ظاهرة «البدون» وتزايدها، بسبب المزايا التي يحصل عليها من يدّعي ذلك؛ إذ إن مجرد الادعاء بأن الشخص «بدون» كان كافيا في السابق لمنحه وضع المعاملة المماثلة للمواطن، وهو ما فتح المجال لتفاقم هذه الظاهرة، وقد يكون كذلك في هذه الأيام، خصوصا بمنح مزايا أو حقوق ليست لهم أحقية بالتمتع بها، كما هي الحال في القانون المقترح، وسنسرد أبعاد وحقيقة الظاهرة.
المشكلة في حقيقتها بدأت بأشخاص في المرحلة الانتقالية ما بين مرحلة ما قبل العمل بقانون الجنسية سنة 1959 ومرحلة ما بعد العمل بالقانون المذكور، فقد شُكلت لجنة للتأكد من أن الجنسية تمنح لمستحقيها وفقاً لنصوص القانون (لجنة الجنسية)، وبعد حسم الملفات بقيت أعداد قليلة جدا لم يتم التثبت نهائيا من استحقاقهم للجنسية، إما بسبب موت رب الأسرة، وإما كبار السن وأطفالهم لم يتمكّنوا من المطالبة، وإما لم يستكملوا مستنداتهم، وهناك من لم يثبت للجنة استمرار إقامة الفروع اتصالا مع الأصول منذ عام 1920، أو بعض أبناء قبائل الكويت المعروفين بالترحال، وعدم الاستقرار أو المولود يتيما ولم يحسم أمره، هؤلاء كلهم ما كان يتجاوز عددهم بضع مئات، وقد منحت لهم معاملة مماثلة للمواطن إلى حين حسم الأمر، «هالسالفة» أعجبت البعض، الذي بدأ في التدافع بادعاء أنه «بدون»، أي أنه وجد نفسه في الكويت، وأنه ليس مواطنا، وقال إنه «بدون» حتى يستفيد من حقوق ومزايا المواطن. فبدأ مسلسل الادعاءات بــ «البدون» من دون وجه حق.
في عام 1993، في التقرير المرفوع من الحكومة إلى مجلس الأمة، أُحصيت ادعاءات «البدون» بـ 212 ألفا، قسمتها الحكومة وقتذاك إلى خمس فئات أو شرائح، الفئة الأولى التي، وفق ما أذكر، لا يتجاوز عددها 7 آلاف فقط تستحق الجنسية، والبقية يتم التعامل معها على أساس إلزامها بإخراج جنسيتها الأصلية ووضع إقامات متفاوتة المدة، وقد أنجزت الحكومة خطوات وإجراءات عدة، من أجل حل هذه المشكلة، رغم تزايد الضغط النيابي الذي يتخذ من هذه القضية في معظم الحالات وسيلة للتكسّب السياسي، أو ربما المالي، أو لتجنيس الأقارب والأحباب، وكلكم تعرفون قصص وسوالف العبث في هذا الملف. وقد تولى الجهاز المركزي للمقيمين بصورة غير مشروعة مراجعة مستحقة لهذا الملف، وكوَّن قناعة متينة بوضع الفئات المختلفة ممن يدعي أنه «بدون»، وهو ما لم يعجب البعض، وحاول أن يلف على الإجراءات الصارمة التي قام بها الجهاز قفزا على القانون وسيادة البلد للحصول على الجنسية من دون وجه حق.
اليوم نحن أمام محاولة جريئة وخطيرة على الوطن من بعض أعضاء مجلس الأمة في إصدار قانون يعطي حقوقا لــ «البدون»، أي شرعية لوضع مخالف للقانون، خصوصا أن اقتراحهم يعرِّف «البدون» «بمن ليست له إقامة مشروعة» ومع ذلك يقرر حقوقا له، ويتوسّع في تحديد أنواع الحقوق والضمانات وكأنهم مواطنون، وهؤلاء النواب ينتهكون الدستور في الكثير من المواد، والمادة 91 منه، «فهل يذود عن حريات الشعب ومصالحه وأمواله» من يقدّم اقتراحا بقانون لحقوق غير المواطنين؟ هذا اقتراح غير جائز إصداره ومخالف للدستور.
جاءت المقترحات بالقوانين الغريبة التي تقدّم بها بعض النواب بمسلك عكسي لطريقة حل المشكلة، بل إنه مسلك سيكرّس مشكلة «البدون» ويفاقمها، بسبب المزايا التي يحصل عليها من يدّعي ذلك، خصوصا بمنح مزايا أو حقوق ليست لهم أحقية بالتمتع بها، كما هي الحال في القانون المقترح. فالدستور كرّس مبدأ المواطنة وحقوقها، وفقاً لهذا المبدأ المستقر، من دون جحد الحقوق الإنسانية الطبيعية لكل إنسان يعيش في كنف الدولة بصورة مشروعة، و«البدون» حسب تعريف الاقتراح المقدم، هو «كل شخص مقيّد اسمه لديها أنه مقيم بصورة غير قانونية بشكل مستقل أو ضمن أسرته، ومقيم في دولة الكويت بصفة فعلية».
وهذا التعريف يقر بأنهم مقيمون بصورة غير قانونية، ويضيف عبارة تناقض ذلك، وهي مقيم بصورة فعلية، أي كأن الإقامة الفعلية، رغم إرادة البلد وقانونها، أكسبتهم حق الإقامة، وأضحى التقييد لدى الجهة الرسمية بصورة غير قانونية سبباً في منحهم الوضع القانوني السليم، و«اللي يبي» يستفيد من هذه التسمية «بس» يسجل اسمه، والأمور تصير طبيعية، و«الصج لا طبنا ولا غدا الشر»، أي إننا «شربكنا» البلد وزدنا المشكلة. وصار عندنا مواطنون بفئة أو مسمى «البدون».
وبمراجعة سريعة للمقترح المذكور، نجده قرر في مواده معاملة «البدون» معاملة الكويتيين، كما أنه قد كفل لهم أيضا الحق في جواز السفر ورخصة القيادة، والتعليم المجاني والرعاية الصحية المجانية، وفي الوظيفة ومرتباتها ومزاياها، والأولوية في الحق في العمل والمرتب التقاعدي، والقبول في الجامعات والمعاهد العليا، وتملّك عقارات السكن وتأسيس الشركات، أي إنهم بالقانون مواطنون بمسمى «غير محددي الجنسية»، وهذه جميعها مخالفات صريحة وصارخة للمادتين الآتيتين من الدستور 7 و8 اللتين تتصلان بتكريس أسس المواطنة واللحمة الوطنية، ومخالفة حقوق المواطنة المكفولة من الدولة، بدءا برعاية الأسرة، ومرورا بحماية النشء، وصولا إلى توفير التأمين الاجتماعي والمعونة الاجتماعية والرعاية الصحية، لكونها مقررة دستوريا للمواطن، والمواد 13 و15 و20، ومخالفة صريحة للمادة 26 بشأن الوظائف التي تسند للمواطنين، وغيرهم يسمون أجانب، ومخالفة مفهوم المواطنة المرتبط بالجنسية الوارد في المادة 27 من الدستور، ومخالفة مباشرة للمادة 40 التي تقرر أن كفالة التعليم ومجانيته للمواطن، أما غيره فأجنبي، والمادة 41 التي كفلت الحق بالعمل للكويتي، وكل من يقترح ضمان حقوق ومزايا لغير المواطن يرتكب خطيئة دستورية تبلغ درجة الإخلال بالقسم الذي نصت عليه المادة 91 من الدستور، فهو أقسم بـ «أن أحترم الدستور وقوانين الدولة، وأذود عن حريات الشعب ومصالحه وأمواله»، فهو هنا لم يبر بقسمه.
و«البدون» (غير محدد الجنسية) مصطلح في الأساس باطل، فما من إنسان لا يعرف أصله، فهم فئات منهم ربما يستحق الجنسية، لكونه أهمل حقه رغم أحقيته، وهؤلاء عددهم محدود، ويحسم أمرهم بهذا التوجه، ومنهم القريب لكويتيين قرابة من الدرجة الأولى أو الثانية مع إقامة قديمة في الكويت، وليست بهجرة حديثة، وكذلك زوج الكويتية التي لديها أبناء منه والزوجية قائمة ومستقرة، ومنهم من استشهد لأجل الكويت فهؤلاء يخضعون للمراجعة لتجنيسهم المتدرج وبالجدولة، بشرط تقديم إقرار منه ومن أقربائه بالتنازل عن أي جنسية أخرى واستخراج شهادة DNA لإثبات القرابة وعددهم قليل، ومنهم عدد كبير ممن قدَّم خدمات متميزة وتضحيات مشهودة وثابتة للكويت، فهؤلاء يمنحون إقامة طويلة الأجل بصفتهم أجانب 5 الى 10 سنوات، بشرط إظهار جنسيته الأصلية خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر، والا يخرج من هذه الفئة، ومنهم من هو مجرد قريب لكويتيين أو قديم في إقامته في الكويت أو من يتقصد الادعاء بأنه «بدون»، فهؤلاء يمنحون إقامة من سنة إلى 3 سنوات بصفتهم أجانب، بشرط إظهار جنسيتهم الأصلية واستخراج شهادة DNA للإثبات في ملفه.
ومنهم، وهم الأغلبية، من سيصرّون على الاستمرار بوضعهم الحالي، نظرا الى وجود مزايا لهم في هذا الوضع، فيتم اعتبارهم أجانبَ غير مرغوب في إقامتهم في الكويت ويتم ترتيب مغادرتهم، وهذه المعالجة هي التي يتولاها الجهاز المركزي، وتتم بقرار من الحكومة، ودور المجلس فقط في تعديل القانون ليقرر التجنيس ومبدأ الإقامة بكفالة النفس. ولا مجال للمجاملة على حساب الوطن ومحاولة الخلط بين الحقوق الإنسانية وادعاءات العديد من «البدون»؛ للحصول على مزايا وحقوق المواطنة من دون وجه حق.

أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
al_moqatei@

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات