اقتصادالورقية - الاقتصاد

مشاريع صغيرة تتعثر.. والقروض لا تُسدد

علي الخالدي – 
حذّرت مصادر مالية واستثمارية واسعة الاطلاع من تعثر عدد من الشباب المبادرين الذين حصلوا على تمويل من الصندوق الوطني لتمويل المشروعات الصغيرة. فبعد سنوات عجاف كان فيها التمويل شحيحاً، دخل الصندوق قبل أكثر من سنتين في موجة منح واسعة النطاق، وتدفق التمويل إلى أصحاب المشاريع على نحو «سخي» لأسباب فنية اقتصادية حيناً، وسياسية أحياناً أخرى. وعندنا نقول «سياسية»، فإن المقصود، حسب المصادر المتابعة، هو التمويل المدفوع باعتبارات فنية ولا اقتصادية، وربما بدراسات جدوى غير مكتملة.

وتضيف المصادر: إن الاستحقاق مقبل سريعاً هذه السنة أو السنة المقبلة لتبدأ الدفعة الأولى من المشاريع مرحلة سداد الأقساط. فإذا بعدد من المبادرين أمام طريق شبه مسدود، لأن مشاريعهم أما خاسرة وإما لم تدخل مرحلة الربح بعد، وبالتالي سيجدون أنفسهم أمام التعثر لا محالة ولأسباب أخرى كثيرة.
وتشير المصادر إلى أخطاء حكومية ارتكبت في هذا الإطار من خلال حملة الترويج العشوائية التي رافقت مرحلة فتح «الصنابير». ثم دخل المبادرون في دهاليز البيروقراطية التي لم تجد لها الحكومة حلاً. ويسأل بعضهم: لماذا لا يشاركنا الصندوق في الخسارة طالما يمنحنا جزءاً من التمويل، والباقي %20 هو تمويل ذاتي؟

وكشفت مصادر معنية للقبس أن الصندوق الوطني لتنمية ورعاية المشروعات الصغيرة والمتوسطة ليست لديه حتى الآن استراتيجية واضحة تخص المشروعات الممولة التي تعثرت فعلياً أو في طريقها إلى التعثر.
وبينت أن الصندوق استوعب أخيراً بعد سنوات من تأسيسه أنه سيكون بحاجة إلى إدارة للمتعثرين، وقام بإنشائها منذ شهر أو شهرين تقريباً!
وتؤكد المصادر عينها ان في الصندوق قنبلة موقوتة، قابلة للانفجار خلال الاشهر المقبلة، تهدد اعداداً من الشباب الكويتي المبادر الذي قام الصندوق الوطني بتمويلهم إذ إن غالبية المشاريع التي تم تمويلها مؤخراًَ وتمتعت بفترة سماح لمدة سنة أو سنتين ستحل عليها الاقساط خلال الاشهر القليلة المقبلة.
وقالت المصادر إن عدداً من المبادرين الممولين من الصندوق تعثرت مشاريعهم، وليست لديهم قيمة الاقساط على اعتبار أن مشاريعهم خاسرة أو متعثرة، وإذا بادروا الى دفع الاقساط فور استحقاقها يعني انهم قد يدمرون مشاريعهم أكثر، إذ يقومون بسحب سيولتهم أو حرق أسعار منتجاتهم لتوفير قيمة قسط الصندوق، وإن صمدوا في الدفع شهرين أو ثلاثة لن يستطيعوا الاستمرار.
ويقول مصدر قانوني إن الصندوق الوطني على اعتبار انه مؤسسة حكومية والدين يعتبر مالاً عاماً ليس امام الشؤون القانونية التابعة له الا تفعيل المطالبة المالية على المبادر المتعثر عبر القضاء، إذ إن إقرار الدين مذيل بالصيغة التنفيذية وهذا النوع من الاقرارات يتم تنفيذ الإجراءات القانونية الخاصة به بشكل مباشر، سواء فيما يتعلق بعمل ضبط واحضار أو منع سفر أو حجز ممتلكات، ومطالبته بتسديد الدين الذي عليه، وأسهل اجراء ربما يقوم به المسؤول القانوني في الصندوق هو مباشرة الإجراءات القضائية عليه لإبراء ذمته.
ويضيف: إن الصندوق أصبح أمام معضلة قانونية كبيرة، هي سجن الشباب الذين تعثرت مشاريعهم وما يخلفه هذا الاجراء من انعكاسات اسرية واجتماعية او يتوقف عن تطبيق القانون عليهم وعدم مطالبتهم، وبالتالي ستكون هناك فوضى.
وتساءلت المصادر هل الهدف من تمويل مشاريع الشباب هو توريطهم دون تقديم مساعدة تذكر لهم؟ أو أن الهدف من اقرار الدين، هو توجيه التمويل لاغراض المشروع حتى لا يعبث المبادر أو يستغل القرض لاغراض اخرى؟
وقال مصدر معني المفترض أن المشروع بالشراكة مع الصندوق على اعتبار ان المبادر متحمل %20 من التمويل وقام بسدادها فعلياً، والدفعة الاولى من التمويل لا يتم صرفها له الا بعد ايداع %20 من طرفه، إذ من المفترض أن تكون الخسارة على الجميع، لكن في منطق الصندوق الخسارة على رأس المبادر فقط، وزيادة عليه يجب ان يدفع مبلغ التمويل كاملاً، شاملاً الفوائد التي تم عمل تخريجة لها وتبويبها كنوع من أنواع المصاريف والاتعاب، التي قدمها الصندوق للمبادر!
وقال مبادر خاسر هل ارباح وخسارة المشروع معلومة سلفاً؟ هل المبادر يعلم الغيب؟ أو ان الصندوق الوطني يريد لكل المشاريع التي مولها أن «تربح غصب طيب»، ولو كان المبادر يعلم انه سيخسر فهل سيتحمل التكلفة النفسية والمادية، واضاعة وقته وماله الذي قدمه من خلال نسبة الـ%20 لكي يذهب كل ذلك ادراج الرياح وهو يعلم النتيجة نهاية المطاف؟
على ذات صلة يقول مبادر صناعي لدي مشروع ناجح وبدأت الانتاج والبيع لكن في نهاية الشهر كل الارباح تذهب الى ايجار المقر الذي اتخذته لمصنعي.
ويضيف: ايجار المصنع 5000 دينار شهريا (60 الف دينار سنويا)، وبحسبة بسيطة خلال 5 سنوات سأكون دفعت كل التمويل الذي اقترضته من الصندوق الى صاحب القسيمة المستأجرة هل هذا منطق؟! والغريب ان مقر مصنعي مؤجر من الدولة الى شركة بأسعار زهيدة سنوياً، وهي تقوم بتأجيره علي وعلى غيري بعشرات الاضعاف.
واضاف: كان الأولى على الحكومة ممثلة بوزير التجارة والصناعة الاسراع في تنفيذ البنية التحتية لمنطقة الشدادية الصناعية وتوزيعها على المبادرين الصناعيين الشباب، وتوفير مكاتب لاصحاب المشروعات بدلاً من توزيع غالبيتها على شركات ضخمة كتوسعات أو على مصانع اصلاً قائمة، وتعمل بعدما تجاوزت عثرات بداية الطريق.
وسأل عن الاراضي الصناعية التي خصصت للصندوق الوطني من قبل هيئة الصناعة ومتى ستظهر على الأرض؟ بعد سنتين؟! عندها ستكون المشاريع الشبابية توغلت في الخسارة والتعثر.
وحتى فيما يتعلق بالمشاريع الزراعية أو المتعلقة بالثروة السمكية أو الحيوانية أكان من الاولى منح المبادرين اراضي قبل البدء في مشاريعهم، أم الاولى توزيع المزارع على طبقة معينة ليتخذوها كاستراحات للاسترخاء أو يقوموا ببيعها؟

وتعليقاً على الموضوع نفسه، شددت مصادر استثمارية على أن الصندوق الوطني يجب أن يغير استراتيجيته كلياً، وتجميد منح تمويل المشاريع على الأقل الصناعية والزراعية ومشاريع الأمن الغذائي التي تحتاج إلى مساحات تأجير كبيرة لحين توفير الأراضي اللازمة لإقامة المشاريع، على اعتبار أن توفير الأرض سيقلل من تكلفة المشروع، وعامل رئيسي في تشغيله ووقوفه على قدميه بسرعة كبيرة، وبدلاً من حرق سيولة المبادر على دفع إيجارات يوجهها إلى تنمية مشروعه وتثبيته على الأرض.

10 أسباب

وأجمعت المصادر على ذكر 10 أسباب وراء تعثر مشاريع الشباب الممولين من الصندوق الوطني:
1 – وزارة التجارة والصناعة التي يتبعها الصندوق الوطني ساهمت في إغراء وحث الشباب من خلال بث إعلانات صحافية وتلفزيونية وإذاعية وبواسطة مواقع التواصل الاجتماعي ليقوموا بترك أعمالهم والاستقالة من وظائفهم ويتوجهوا لأخذ قروض من الصندوق لبدء أعمالهم، وروجت إلى أن بيئة أعمالهم ستكون سهلة وبسيطة. لكن العكس هو الصحيح، إذ يستغرق استخراج الترخيص الصناعي على سبيل المثال من 4 إلى 6 أشهر، وعلى المبادر أن يؤجر مقراً طول هذه الفترة ويدفع إيجاره.
2 – لا تعاون واضحاً وسلساً مع الجهات التي تتقاطع مع الصندوق مثل الهيئة العامة للصناعة أو الجمارك أو البيئة والجهات الأخرى.
3 – الإيجارات تلتهم جزءًا كبيراً من سيولة وتمويل المبادرين، خصوصاً أصحاب المقرات الكبيرة من دون مساعدتهم في توفير أراض.
4 – الأيدي العاملة الجيدة لا تقبل العمل في «مشروع صغير» على اعتبار أن هذا النوع من المشاريع يخضع لقانون وقرارات هيئة القوى العاملة، ولا يسمح للعامل بنقل الإقامة مستقبلاً حتى لو تعثر المشروع، عندها على العامل أن يسافر خارج الكويت وليس مسموحا له العمل في شركة أخرى، وبالتالي إقبال العمالة الجيدة على عقود المشاريع الصغيرة قليل.
5 – الرسوم الجمركية التي يدفعها المبادر والتي تقدر بـ %5 على الآلات والمواد الخام التي تستورد من الدول الأجنبية هي باب من أبواب استنزاف تمويل المبادر.
6 – لا مرجعية استشارية في الصندوق تراقب تشغيل المشروعات أو جودتها.. الصندوق يكتفي بمراقبة المبادر هل ما زال يوجه الأموال إلى المشروع!
7 – الصندوق ينظر إلى البعض على أنه «حرامي» ويشغل وقته وجهده في تدوين مصاريف زهيدة وطلب فواتير عديدة، من دون السؤال عن جوهر كل ذلك.
8 – ساهم الصندوق في تخريب البيئة التجارية في قطاع المطاعم، إذ يوافق على عشرات المشاريع من هذا النوع الذي تطفح به السوق الكويتية، علماً بأنها تحتاج إلى عمليات تسويق تكلفتها عالية وإيجاراتها مرتفعة خصوصاً في المواقع المميزة في المجمعات التجارية المعروفة، وبالإضافة إلى ذلك فإن الصندوق في موافقاته الكثيرة على هذه الأنشطة يفتح في قطاع منافساته شرسة جداً وفيه خسائر.
9 – البيروقراطية التي تمر بها الموافقات حتى توقيع صرف شيكات دفعات التمويل وتحويلها لحساب المبادر.. طويلة ومعقدة، إذ تستغرق العملية عدة أشهر في بعض الأحيان.
10 – لا يمتلك الصندوق الوطني الخبرات البشرية الكافية التي تغطي متابعة ومعالجة كل المشاريع التي وافق عليها الصندوق بمختلف قطاعاتها التجارية.

كيف سأعيش؟

يسأل مبادر متعثر: إذا كان قسط التمويل المستحق للصندوق الوطني قيمته 1500 دينار شهرياً، وأنا متزوج ولدي أبناء وإيجار شقة، بالإضافة إلى أنني مقترض من البنك قيمة الـ %20 نصيبي من المشاركة في تمويل المشروع.. فكيف سأعيش وكيف سأدفع للصندوق؟

تفرغ وظيفي

وأضاف: أفكر أن أعود إلى وظيفتي الأصلية، لكن لا توجد آلية في الصندوق لمنحي براءة ذمة وعمل تسوية للمشروع المتعثر، وتمكيني من العودة إلى وظيفتي وراتبي الحكومي لكي أصرف على أولادي.

 

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

الصندوق الأسود

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock