أهم الأخبارالورقية - المجلةثقافة وفنون

فيصل خاجة: حلمُنا أن يلائم المحتوى هذا الصرح الكبير

ليلاس سويدان –
من المؤكد أن تصميم مركز جابر الأحمد الثقافي على شكل جواهر مضيئة على الخليج العربي، ليس أمرا جماليا فحسب، فهو شكل ما لترجمة الغاية من هذا الصرح الكبير كحاضنة للإبداع والثقافة والفنون، ودوره كمركز إشعاع حضاري ينطلق من الكويت. تجربة هذا المركز ليست بالطويلة لكنها تبدو «مكتنزة» بالفعاليات والعروض والحفلات والندوات، وبمشاهير الفن والأدب الذين التقى بهم جمهور المركز للمرة الأولى على مسارحه وقاعاته، سواء في حفلات موسيقية أو استعراضية أو ندوات ثقافية. ويجوز القول إن المستوى الذي قدمت به بعض عروض المركز هو مستوى عالمي يقدم للمرة الأولى في الكويت. للتعرف أكثر على الرؤية التي يعمل بها مركز جابر الأحمد الثقافي، وتقييم ما تم حتى الآن وخطط المركز للمستقبل، التقيت فيصل خاجة، مدير مركز جابر الثقافي، وكان لي معه هذا الحوار.

بعد مضي أكثر من سنتين على إنشاء مركز جابر الأحمد الثقافي، ماذا كان الحلم أو الهدف عندما أنشئ، وما الذي تحقق منه حتى الآن؟
– في البدء أشير إلى أنه قد تم افتتاح المركز بحضور سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، حفظه الله، بتاريخ 31 أكتوبر 2016، أعقبه إقامة بعض الفعاليات المتنوعة على مختلف مسارح المركز وقاعاته، ثم كانت انطلاقة الموسم الثقافي الأول في سبتمبر 2017.
كان الحلم والتحدي الذي وضعناه لأنفسنا هو أن يلائم المحتوى الثقافي والفني مستوى هذا الصرح المعماري الكبير، الذي صُمم بأعلى المعايير العالمية بمسارح وقاعات متنوعة الأغراض ومجهزة بأحدث التجهيزات التقنية، إذ يتكون مركز الشيخ جابر من أربعة مبان رئيسة: الأول مبنى المسارح الذي يتضمن المسرح الوطني، وهو الأكبر بسعة 1700 مقعد، ومسرح الدراما والاستديو، والمبنى مخصص بشكل عام للفنون الأدائية بأنواعها، الثاني مبنى الموسيقى، الذي يتضمن بدوره قاعة الشيخ جابر العلي للموسيقى ذات سعة 1000 مقعد، وهي القاعة التي تقدم فيها العروض الأوركسترالية الكبيرة، وغيرها من الفعاليات التي تعتمد على سماع أصوات الآلات الموسيقية من دون مؤثرات تقنية (أكويستك)، والقاعة المستديرة التي تقدم فيها فعالية «حديث الإثنين» الثقافية الاسبوعية، بالإضافة إلى الفرق الموسيقية الأصغر حجماً، كما يتضمن مبنى الموسيقى غرفا دراسية مخصصة لمدرسة الموسيقى للأطفال (قيد التأسيس)، والمبنى الثالث هو مبنى المؤتمرات الذي يتضمن بدوره مجموعة من القاعات المخصصة للمؤتمرات، الندوات، والمحاضرات مع احتواء المركز على قاعة السينما، في حين يختص المبنى الرابع بالوثائق، إذ سيتم الإعلان قريباً عن موعد افتتاحه للجمهور، لذا يمكن القول بأن المقارنات البسيطة المباشرة بين المركز والمراكز الفنية الثقافية الأخرى في المنطقة العربية هي مقارنات غير صحيحة، إذ ان المركز بحجمه وبأغراضه وبفعالياته أشمل من غيره، ولكن فيما يتعلق بالمباني ذات الأغراض الفنية (المسارح والموسيقى) بإمكاننا القول بأن الهاجس الأكبر هو أن يقدم المركز باقة متنوعة من العروض ذات الجودة والملائمة للمجتمع، مع الحرص على التوازن ما بين العروض المستوردة من العالم والفنون المبتكرة التي تنشأ من الكفاءات الكويتية في مختلف المجالات ذات الصلة.
هل تحقق الحلم؟ وفق رأيي الشخصي، أزعم أننا تعلمنا الكثير في هذه الفترة الوجيزة نسبياً، وبالرغم من رضانا على ما تم تحقيقه فان المشوار لا يزال طويلاً، خصوصا أن سقف الطموح في ارتفاع مستمر، هذا فيما يتعلق بنظرتنا الداخلية، ولكن الرأي الأكثر أهمية هو رأي الجمهور، الذي نقوم بقياسه عبر استبيانات مباشرة بعد كل فعالية تقام، والتي تشير نتائجها إلى أن متوسط الرضا العام على الفعاليات يتجاوز نسبة الـ%92 خلال السنة الماضية، أشير هنا إلى أننا نعتد كثيراً بتقييمهم بحكم أنه نابع من تجربة ذاتية حقيقية، لذا فهي نتائج يمكن الاستناد عليها والاستفادة منها في النقد الهادف.

فرقة المركز
شكّلتم فرقة مركز الشيخ جابر للموسيقى قبيل انطلاق الموسم الأول، كيف ترى مسار تطور أعمال فرقة المركز في إطار الأهداف الموضوعة؟
– لم تشكل الفرقة إلاّ بعد مرحلة بحث، تم فيها طرح العديد من الأسئلة بجدية، ومنها نستشف الأهداف التي تطلعنا لتحقيقها، من تلك الأسئلة السؤال الأكثر أهمية عن السبب الحقيقي لعدم وجود أي فرقة موسيقية دائمة في الكويت، على الرغم من كل المحاولات السابقة للعديد من الجهات، ومن توافر المقومات اللازمة لقيامها، كما كان السؤال الآخر عن الشكل المنشود للفرقة، وما الأعمال التي ستقدمها، وما الذي يميزها عن غيرها من المحاولات العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص، وعلى ضوء تلك الأسئلة الجوهرية اتخذ قرار بتشكيل فرقة موسيقية خاصة بالمركز، ترتكز على العنصر الكويتي (بنسبة تتجاوز الـ%70) وتقدم أعمالا تنبع من بيئتنا الكويتية والعربية، ولكن بشكل معاصر، فالغرض من المركز الثقافي بالأساس هو تقديم الفنون الخاصة بنا ككويتيين أولاً، ثم تقديم فنون الغير، مع حرصنا الشديد منذ البدء على حماية الفرقة ومستقبلها من المشكلات التي فتكت بكل الفرق السابقة، وعلى رأسها مشكلة محاباة الأفراد على حساب النتائج، ومفهوم العمل الجماعي الذي يجب أن يرتكز عليه أي عمل ناجح.

«مذكرات بحار»
وتابع خاجة حديثه قائلا:
بدأت الفرقة بتقديم أوبريت «مذكرات بحّار» في سبتمبر 2017، وذلك في افتتاح الموسم الأول الذي حمل شعار «من الكويت نبدأ» بالشكل المعاصر الذي شاهده الجمهور على خشبة المسرح، هذا الأوبريت الذي أنتجته الدولة في سبعينات القرن الماضي، ممثلة في وزارتي التربية والإعلام، وتمازجت فيه إبداعات الشاعر الراحل محمد الفايز، صاحب ديوان «مذكرات بحّار»، مع ألحان الملحن القدير غنام الديكان، بحنجرة المطرب عبدالعزيز المفرج (شادي الخليج)، وكانت سعادتنا وسعادة الجمهور كبيرة بأن يكون هذا النوع من الأوبريتات متاحاً للجمهور للمرة الأولى، إذ اقتصر حضور تلك الأوبريتات في السابق على الدعوات الرسمية لشريحة محدودة، وبعدها توالت أعمال الفرقة بمختلف الأشكال، والتي ارتكزت في موسمها الأول على الفن الكويتي، فكان الاحتفاء بالعديد من الشعراء والملحنين والمطربين، وكان ختام ذلك الموسم عرض الثمانينات الذي نال نجاحاً غير مسبوق وتكلل بزيارة مفاجئة ومبهجة من حضرة صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد، وولي عهده سمو الشيخ نواف الأحمد، عند إعادة العرض في الموسم الثاني، واللذين أشادا بتلك التجربة وطلبا منا الاستمرار في هذا المسار.
وفي الموسم الثاني، انصب تركيزنا على جودة الفعاليات ومستواها، على ضوء ما تعلمناه من الموسم الأول، فكان التركيز على الإنتاجات الكبيرة والمبتكرة، فجاء تقديم استعراض «أبيض وأسود»، كما تم تطوير عرض «الثمانينات»، بخلاف فعاليات أخرى مثل حفل «من غير مكروفون»، وأمسية تكريم عبداللطيف البناي، كما يختتم الموسم باستعراض مسرحي غنائي كبير هو «مذكرات بحّار» الذي سيكون استثنائياً.

تطوير الأوبريت
بدأتم موسمكم الأول بأوبريت «مذكرات بحار» ما سبب إعادة تقديم هذا العمل؟
– على الرغم من النجاح الجماهيري الكبير الذي ناله استعراض «مذكرات بحّار» في نسخته السابقة سبتمبر 2017، فإننا نعتقد بأن العمل قابل للمزيد من التطوير بحيث يكون عملاً كلاسيكياً كويتياً، على غرار التجارب الغربية التي تعيد تقديم موروثها الفني عبر الاستعراضات الكبيرة التي تتضمن الكثير من العناصر مثل (الموسيقى الحية، الأداء الحركي، الحبكة الدرامية، الغناء، الأزياء، السينوغرافيا)، وهي بذلك تشكل وعياً جماهيرياً بفنوننا وتاريخنا، على سبيل المثال تم تقديم أوبرا عايدة أول مرة عام 1871، ولا تزال الكثير من الفرق العالمية تعيد تقديم ذلك الإبداع، بحكم أن الأعمال الفنية الجيدة ليس لها تاريخ انتهاء صلاحية، لا أزعم بأن ما نقوم به مماثل للأوبرا، ولكن أتينا على ذكر هذا النوع على سبيل الاسترشاد، خاصة أن كليهما يندرج تحت مظلة «الاستعراض الشامل»، ولعل أبرز ما يميز العرض الجديد من «مذكرات بحّار» هو عدم وجود مطربين لمجرد الغناء، فالمطربون هم أبطال العمل الدرامي، كما سيترجم العمل الى اللغة الانكليزية أثناء العرض الحي، لكي يكون أكثر تشويقاً لضيوف الكويت غير الناطقين باللغة العربية، وأشير إلى أن السيناريو الجديد قام بكتابته الروائي المبدع سعود السنعوسي، الذي انضم الى فريقنا أخيرا، وذلك بالاستناد على روح ديوان «مذكرات بحّار» الأصلي.

المسرح في الموسم القادم
«من الكويت نبدأ» و«جسور ثقافية» عنوانا الموسمين الفائتين، فما عنوان الموسم القادم؟
– العنوان يعكس المضمون، لذا كان التركيز في الموسم الأول على الفنون الكويتية والفنانين الكويتيين، كما انطلق الموسم الثاني نحو الفنون العالمية المختلفة، وفيما يتعلق بالموسم الثالث الذي سينطلق في 24 سبتمبر المقبل 2019، لم يتم اختيار العنوان بعد، ولكن اتجاه الموسم سيكون نحو الأعمال المسرحية الدرامية الممزوجة بالموسيقى الحية، لذا سيكون العنوان في نطاق المسرح، وكما هو الحال في طريقة تناولنا للأعمال الفنية، لن يقدم المسرح بالصورة النمطية الدارجة، هو تحدٍ جديد نأمل أن يحالفنا التوفيق فيه.

نجاح غير متوقع
هل كانت هناك فعاليات نجحت جماهيريا أكثر من المتوقع بالنسبة اليكم؟
– من يعمل في الحقل الفني معرّض لنتائج تخالف التوقعات سلباً وإيجاباً، وعليه فاجأنا نجاح عرض «الثمانينات» للمخرج المبدع جاسم القامس، الذي تُوّج بحضور صاحب السمو اليه برفقة سمو ولي العهد، كان من المتوقع في البدء أن يحضر العرض ما مجموعه 5000 شخص، وانتهى به الحال أن حضره أكثر من 40000 شخص في الكويت والرحلة الخليجية، وما زال هناك طلب عال على العرض، بمعنى أننا قد نصل إلى ضعف هذا الرقم في حال تلبيتنا لطلبات الجماهير، لكننا آثرنا التوقف عن تقديم المزيد من العروض في أوج النجاح ليتسنى للفريق التركيز على ابتكار أعمال جديدة، وكذلك كان نجاح العرض الأول لحفل «من غير مكروفون» دافعاً لنا لإعادة الفكرة نفسها ولكن بمحتوى مختلف.

«أبيض وأسود» في أوروبا
متى سنشاهد عرضا كويتيا في أوروبا؟
– طُلب استعراض «أبيض وأسود» الذي تحدثت عنه للمشاركة في مهرجان فني كبير في المملكة المتحدة هذا الصيف، ولكن آثرنا تأجيل تلك المشاركة إلى الصيف التالي، لأننا نعمل على تطويره قبل عرضه مرة أخرى، ونأمل أن يقدم للجمهور الغربي والعربي الموجود هناك بشكله المطور والمحتوي على ترجمة تجعله أكثر متعة للناطقين بغير العربية.

مدرسة الموسيقى

 

رداً على سؤال عن مشروعكم الجديد في المركز (مدرسة الموسيقى للأطفال)، وما أهدافها، ومن أين جاءت فكرتها وتصورك لمستقبلها؟
قال فيصل خاجة:
– في الحاضر يبدأ تدريس الموسيقى في المدارس بشكل أكثر جدية بالمرحلة الثانوية، وقبل ذلك لا يوجد تعليم منهجي للموسيقى النظرية أو العملية، سواء الشرقية أو الغربية، لذلك أُسست مدرسة الموسيقى للأطفال من عمر 6 إلى 12 سنة، وذلك لأهمية تأسيس المواهب منذ الصغر، كي تساعد في تغذية المشهد الموسيقي مستقبلا، وفي سبيل ذلك يستقطب المركز حالياً مدرسين ومدربين أكفاء من مختلف دول العالم، مثل ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية وهولندا، وذلك لتدريس 10 آلات موسيقية مع خلق مناهج دراسية جديدة لتلك الآلات، بحيث تسترشد بالنماذج المتفوقة عالمياً لتدريس الموسيقى لهذه الشريحة العمرية، واعتماد المناهج العالمية التي تمزج ما بين الموسيقى والمتعة واللعب للأطفال، بحيث
يتم إيصال المعلومات الموسيقية بطريقة ممتعة وغير مباشرة، وتعمل المدرسة حالياً بشكل تجريبي إلى حين استكمال التجهيزات ومنها «المناهج، السياسات، الآلية وغيرها»، بحيث تُفتتح رسمياً مع بداية الموسم الثقافي المقبل، علماً بأننا قمنا بتصنيع عدد مناسب من آلات موسيقية صغيرة الحجم ملائمة لتلك الفئة العمرية، وذلك على يد أمهر الصناع المتخصصين، مثل الآلات الوترية وآلات النفخ.

 

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

الصندوق الأسود

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock