من ضمن قواعد الكون، تبرز قاعدة التغيير في سلم الأولويات، ليس فقط بين الأفراد، وإنما أيضاً بين الشعوب في مسارها وفلسفتها، فأبلغ مرتكزات الحياة التغيير والتجديد، فمن يبقى ساكناً يتعرض للجمود، والكويت ربما من أكثر الدول في هذه اللائحة الملحة، ليس في بيروقراطيتها البطيئة والمسترخية، وإنما في أعمدة حياتها، ومن أبرزها تنويع مصادر الدخل وتوفير الحقن المنشطة لمحتوياتها، والبحث عن مستجدات تؤمن للشعب المنابع الحاملة للادامة والاستمرار.
الكويت عضو في منظومة الدول التي تتوافر لها السيولة cash state، لكنها ليست غنية، وإنما تعتمد على سلعة استراتيجية، يتآكل نفوذها وتقل أهميتها مع الاكتشافات النفطية الحديثة، ومع التجديد في عالم التكنولوجيا المتخصص بالنفط، ونلاحظ مع مرور الوقت انكماش الهيبة الاستراتيجية لدول النفط، لا سيما في منطقة الخليج، فلا يوجد ضمان يوقف تقلص سطوة النفط في الدبلوماسية العالمية.
الكويت «دولة كاش» تضعف قوتها مع التضخم، وتقل خزينتها مع تقلص مقام النفط كسلعة استراتيجية، فلا مفر من لجوء الكويت إلى رسم سياسة اقتصادية تحوز مصادر أخرى لخزينة الدولة، كما تفعل الآن كل من المملكة العربية السعودية ودولة الامارات، بعد أن تبنت كل منهما التوجه القوي نحو التخصيص والتخلص من أعباء إدارة الخدمات وفتح ملفات تتعامل الدول المنشدة للتغيير مع شروطها، بالانطلاق نحو تخفيض المصروفات والاحتفاظ بالجانب الفاعل في جذب الأموال وتحسين كفاءة الادارة، واتخاذ القرار الذي لابد منه، وهو تقييم نهج الدولة الرعوية، التي تؤمن كل جوانب الحياة للمواطن، وهو نهج قتل الطموح وقيد الابداع وزاد من الاسترخاء وضخم التنبلة الكويتية في القطاع العام، مع عجز في الأداء لينكشف كل يوم افتقاره الى الكفاءة وتكاسله.
لكن المهم أن تتبنى الدولة التقليل من الاعتماد النفطي، وتعويض ذلك بالدفع للتخصيص وانعاش القطاع الخاص بإسناد مسؤولية المشروعات الكبيرة إليه بالتدرج، خاصة أن ملامح خطة الكويت لعام 2035 تتطلب ذلك، بما فيها تطوير الجزر وبناء المدن الحديثة واستنهاض التعليم ليواكب احتياجات هذا الزمن.
وضعت الأمم المتحدة تعريفاً لمحتويات الدولة الغنية، ويتشكل هذا المحتوى من توافر المياه من أنهار وبحيرات، وقاعدة زراعية تأتي من خصوبة التربة، ومن مناخ ملائم ومن مواد خام لصناعة تتزايد في مجتمع الابتكار والمتبني للتكنولوجيا، وساحة واسعة من معاهد وجامعات تتناغم مع التغيرات، وإدارة حديثة تتميز بالمبادرات تخرج من فكر مسكون بالبحث عن الابداع، وقاعدة تعليمية وصحية سليمة ومتحركة.
ولأن الكويت خارج هذا التصنيف، فهي دولة سيولة ــ Liquid State يتذبذب مكانها مع حجم السيولة، لهذا نتطلع إلى تنشيط دور الكويت كمعبر تلتقي حوله إيران والعراق في تجارة العبور الترانزيت تجاه الشمال، وجنوباً نحو مجلس التعاون والجزيرة العربية، بالاضافة إلى انتعاش سوقها المالية في أداء البنوك والبورصة واستقطاب استثمارات خارجية لها سمعتها في السوق العالمية، وفي فنون التكنولوجيا والادارة والتدريب.
مع الأسف لم تحصل محاولات من الدولة لوضع أساس لمصادر أخرى، على الرغم من وجود مجلس الأمة، الذي واصل مسيرته في الانشغال بالقضايا التي تزيد من شعبية الأعضاء في تجاوز القانون وإضعاف الموقف الحكومي المعارض للإسراف، بعد أن صار الاحتياطي هو المصدر الممول لتغطية الضروريات في الأمن والدفاع والتعليم والصحة، بعد أن انتفخ باب الرواتب والأجور إلى %75 من الميزانية، ويرافق هذا الهدر المالي أداء كئيب في الوعي السياسي، وضعف شعبي عام في الاهتمام بمجلس الأمة وسلوكياته، وغياب الاهتمام بمصيره، بعد تلاشي الأمل في منطقية خياراته.
ويوازي هذا الفقر في الحوار السياسي المحلي، عزوف من المنظمات الأهلية عن تحمل مسؤولياتها في طرح القضايا الوطنية وسلبية مواقفها تجاه الهدر المالي، والعجز الاداري، وانعدام مساهمتها في المداولات حول خطط التنمية ومشاريع المستقبل.
هناك ثلاثة مخاطر تهدد الدول الخليجية، وأولها إرهاب المنظمات المتخفية مثل داعش والقاعدة، وأخرى في الطريق تنشر الدمار والفوضوية، وتصيب الدولة الوطنية في مقتل مع تصاعد الأصولية الدينية.
وثانيها: الراديكالية الاقليمية التي تتبناها بعض الأنظمة الاقليمية، والتي تشكل تهديداً خطيراً لثوابت الاستقرار، وتتحدى الأمن والنظام السياسي المختلف في المنطقة، وتبرز إيران مثالاً لهذا الخط المزعج.
والثالث: الاختلالات في العلاقات الدولية والاستخفاف بالالتزام بالمواثيق والطعن في شرعية الاتفاقيات الدولية والثنائية، لاسيما مع كثافة الجدل حول التجارة العالمية، واستهجان الأسس التي يقوم عليها النظام العالمي السياسي، والذي يجسده ميثاق الأمم المتحدة، وتعتبره جوهر الأمن والسلام العالميين، ولعل دبلوماسية الرئيس ترامب تجسيد لهذا المسعى الخطير.
كل هذه المسببات الضاغطة تدفع الدول الى تحصين أمنها الاقتصادي وسلامتها الجماعية وتأمين مواقع التنمية وتضعها فوق كل الاعتبارات.
هذه أحكام التغيير التي تتطلب نظرة ثاقبة تجدد كيان الدولة لأجل تأمين عافيتها ومقومات البقاء فيها.
ومع كل ذلك، تبدو لنا الأحوال باقية وبعيدة عن مساندة الموقف الوطني الشعبي الجماعي ليشارك بالاسهام في نظرة تجديد في الجانب المالي واللياقة الاقتصادية للدولة، فالمؤشرات النيابية لا تبشر بأن مشروع الأحلام المتمثل في الجزر وميناء مبارك سيرى النور، فخلال جلسة اللجنة الاقتصادية في مجلس الأمة مع النائب الأول الشيخ ناصر صباح الأحمد، يوم الأحد 17 مارس، صدرت كما تقول صحيفة «الشاهد» أصوات ولاءات معطلة.
نحن ندرك توجهات المجلس، فبعضها يحمل مرونة المتفهم، وبعضها يتصدر قوى مضادة متربصة تسعى الى قتل المخطط كله، وبعضها يصر على امتثال المشروع لشروطه.
بصراحة لا يمكن أن تظل الكويت، وانطلاقها الاستراتيجي مربوطاً بصوت النواب، لأن علاج الوضع ليس محصوراً بميناء مبارك والبلاجات في الجزر، وإنما الأمر أكبر من ذلك كله، لأن المطروح هو قدرة الكويت على المضي بسياسة الدولة الرعوية الواعدة بالأرض والوظيفة والتأمين الاجتماعي والصحي، فالمطلوب تقييم فلسفة النهج الرعوي الاقتصادي والاجتماعي، فلا يمكن الاستمرار وفق الامكانات الحاضرة، فلابد من الحصول على منبع آخر من الدخل يشارك في تغطية التكاليف، ونلبي بذلك أمنية سمو الأمير بخروج الكويت الكلي من الاعتماد على النفط.

عبدالله بشارة

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات