الورقية - كتاب وآراءكتاب وآراءمقالات

العمر مجرد رقم

قُلْتُ:
ليتنا يا خل دوم أيامنا صفا
وليت الليالي بأقمارها نور

يختلف الناس في نظرهم للعمر، ويكاد يتفقون حول كونه يعبر عن مرحلة عمرية لها ملامحها واحتياجاتها وقدراتها على التعايش مع ظروف الحياة وتحديد علاقاتها الإنسانية. والنساء أكثر حساسية في ذكر أعمارهن الحقيقية، ذلك أن تكوين المرأة الفسيولوجي يعد أساساً في نظر الناس جميعاً، وبصورة خاصة إن بلغت سن الأربعين أو تجاوزتها.
لكن في حقيقة الأمر أن النضج له جماله، كالطفولة التي يتفق الجميع على أنها روعة الحياة وذكرياتها لا تنسى، حيث البراءة، وصفاء النفس وإشباعها بآمال آنية، وأخرى لا تتعدى يقظة المنال ومنتهى اليوم. إنها – رغم معاناة البعض خلالها – حلم يتردد في أذهان الناس يصل إلى العشق أن يعودوا إليها بأجمل تفاصيلها.
والشباب له لذاته، وطيشه، ومنتهى آماله التي تتجاوز الأيام وتبحر في خطى الزمن لترسم مستقبلا زاخرا بالإنجازات وبلوغ أعلى المراتب والغايات، وكأن الكون إنما خلق لسعادته، وإن أحبَّ صارت عاطفته الجياشة تسيره أنَّى شاءت في عزم لا يكل، وفكر لا يمل، يبحث عن كل وسيلة تصله بمن أحب، وقد يحاكي في قصة حبه أجمل الروايات العالمية والمحلية، وقد جمع أمره، وتاق لمن يحبه حتى العشق، فلا يصرفه البتة عنه صارف.
وعودة إلى النضج وجماله؛ لأنه يمثل مرحلة عمرية تسكن فيها النفس، ويشعر فيها المرء بضرورة تحكيم العقل في سبيل الوصول إلى ما يريده، مستحضراً وسائل منطقية، يميل فيها إلى استشاره من خاض تجارب الحياة ووصل إلى غاياته، فيسير والأمل يحدوه في نجاح المحاكاة مع ما لديه من إمكانات شخصية تكونت خلال مراحله العمرية السابقة، يضحى التعليم أحد روافدها التي تعينه على التعايش مع حاجاته الوظيفية والمهنية وبلوغ ما يصبو إليه.
أما العمر في العواطف، فلا يمثل سوى رقم لا يمكن تقييده بها. فالعاطفة تستمر مع الإنسان من ولادته إلى نهاية حياته، قد يُحِبُ صغيراً، وقد يُحِبُ في زهرة الشباب، وقد يُحِبُ في نضج العقل، وقد يُحِبُ بعد ذلك، لا فرق، ولا ضابط يكبح جماحه. ويخطئ من لا يعتقد ذلك، لأن العاطفة حاضرة في كل وقت، بل إنها تزداد رقة وفهماً للحب ومتطلباته كلما ازداد العمر رقماً.
والعمر مجرد رقم في وجود العاطفة إن صح البدن في سائر أجهزته، فالحب لا يعرف الأرقام، ولا يعترف بفوارقها، وهذا الأمر ليس نظرية عصرية حديثة، بل معروفة منذ القدم عند سائر الأمم، فالحب – كما يقال – يصنع المعجزات، وتتحطم في جذوته الراسخات من الجبال إن توافقت القلوب، وأصرت على نيل مرادها، وقد يخفف من وطئه أحياناً ما تعارف الناس عليه من عادات وتقاليد وأحوال، لكنه يبقى متأصلاً في كل الأحوال.

د. سعود محمد العصفور
dr.al.asfour@hotmail.co.uk

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

السودوكو

مقالات ذات صلة

إغلاق