نيويورك.. 2017.. أوقفت سيارة أجرة.. كان المزاج رائقاً، وفي الوقت متّسع.. فتحت حديثاً مع السائق الستيني.. كان فلسطينياً من مواليد الكويت.. والده من أوائل المعلمين الذين وفدوا إلى الكويت في عام النكبة.. سألني عن أحوال مسقط رأسه والعائلات التي يعرف.. أجبته بحسب علمي عمن سُمي لي.. حدثني بحنين عن ذكرياته في الكويت.. أسهب في الحديث عن قصة «الحوت المنتحر»، الذي لفظه البحر على شاطئ كاظمة (الشويخ حالياً) أوائل الستينات (1963).. كان كائناً ضخماً، طوله 24 متراً ووزنه يقارب سبعين طناً، يقتات على النوافق التي تلقي بها سفن نقل الأغنام.. وصف لي كيف كان الناس في دهشة، والمسؤولون في حيرة لا يعلمون ما هم بفاعلين.. جاء القرار أخيراً بتقطيع لحمه والاحتفاظ بهيكله العظمي.. استغرق التقطيع خمسة أيام.. وعلى مدى أشهر تم تحنيط عظام الحوت المنتحر التي دفعت الى التفكير في إنشاء المتحف العلمي في المرقاب.. الذي تحوّل إلى أحد المباني المنسية الأخرى، التي قد لا يتذكرها اليوم إلا واضعو قوائم المباني المطلوب محوها.
تذكرت الهيكل العظمي للحوت الأزرق حين وصلت إليّ صور أمسيات المقاعد الخاوية من الجمهور في قاعاتٍ زرقاء ضمن فعاليات «أسبوع البدون الثقافي» الموؤود.. حين قامت جمعية المحامين ــــ مشكورةً ــــ باستضافة الفعاليات الممنوعة وتقديمها في قاعاتٍ فارغة وتسجيلها ووضعها للجمهور على «اليوتيوب».. المنظمون دعوا المشاهدين ليكونوا الحشد الذي يملأ الفراغ في تحايلٍ ذكي على أمر وزارة الداخلية بمنع «الأسبوع».. وبالعودة إلى سائق التاكسي وشوارع مانهاتن، سألت الرجل كيف حطَّ به الرحال في أميركا.. فأخبرني أن الكويت لفظته بعد محنة الاحتلال.. رحل إلى الجزائر ثم إلى أميركا.. لديه الآن ابنتان جامعيتان تحملان الجنسية الأميركية.
وكأنما نحن في بطن الحوت المنتحر منذ عام 1990.. دار مدارنا عظام.. وكأنما الهيكل العظمي للحوت المنتحر ما زال يحلّق في سمائها.. وكأنما يرمز إلى الأحلام التي دُمّرت أو احترقت، أو انتحرت كصورة «الكويت بلاد العرب» والمشروع العروبي والتقدمي وثقافة الدستور والديموقراطية وتقبل الآخر.

سليمان البسام

مؤلف ومخرج مسرحي
@SAB_Op

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات