الرخصة المهنية تفضح الشهادات الوهمية
أميرة بن طرف -

«من وين متخرّج؟»، «جامعته معتمدة؟»، «عسى بس مو خرّيج أثينا؟».. ما سبق أسئلة انتشرت في سياق النكت والفكاهة مع طفو ملف الشهادات الوهمية والمزورة والركيكة على السطح مجدّداً، الا انها سرعان ما أصبحت أسئلة مستحقة، نردّدها جميعا، او اغلبنا على اقل تقدير، عند التوجّه الى طبيب، مهندس، معلم، محامٍ، وغيرهم من أصحاب المهن التي لها تأثير مباشر، إما في جودة الحياة، وإما التعليم وإما غير ذلك من الخدمات.
فعلى الرغم من اهمية الحملة الشعبية تجاه اجتثاث آفة مخرجات دكاكين التعليم، وتنظيف المجتمع من حمَلة شهادات وهميين، فإنها بلا شك خلّفت آثاراً سلبية، لعل ابرزها إثارة اسئلة تعنى بمهارة اصحاب المهن المذكورة، وجودة شهاداتهم، الأمر الذي يتطلب التحرّك سريعا، حتى لا نفقد الثقة بهؤلاء، وفق المبدأ الشعبي «الخير يخص والشر يعم»، فالحملة التي استهدفت تطهير القطاعات المختلفة من اصحاب الشهادات المزورة والوهمية وكشفهم، يجب ألا تجرّنا الى الشك في جودة تعليم آخرين، فما زالت ارقام حمَلة هذه الشهادات ضئيلة جدا، مقارنة بمخرجات مؤسسات التعليم العالي المختلفة محليا وخارجيا في البلاد.



اثبتت التجربة العملية ان آفة التعليم لا تتلخص فقط في الجامعات الوهمية وغير المعتمدة والشهادات المزورة، بل هناك شهادات وهمية، وان كانت بسيطة عدديا، من نوع آخر، خاصة انها شهادات حقيقية صادرة عن جامعات معتمدة، لكن قد لا تمنح حاملها العلم والمهارة الكافيين لممارسة مهنته، خاصة للقلة الذين ينجحون بالواسطة، الغش، المحسوبية وغيرها؛ ليتعالى السؤال: ما الحل؟ هل نثق بحملة الشهادات ام لا نثق؟ وهل قوائم الاعتماد هي الفيصل الوحيد؟ في حين يبدو الفيصل الرئيس في جودة اصحاب هذه المهن هو «الامتحان»، فإما ان يُكرم فيه حامل الشهادة أو..!
ويبدو أن الوقت أزف، لإقرار رخص مزاولة عمل، لبعض المهن على الأقل، ذات العلاقة المباشرة، بالصحة، البناء، البنية التحتية، التعليم، الاقتصاد والقانون، ليكون الاختبار هو الفيصل لجودة التعليم وصاحب المهنة، الى جانب شهادته العلمية الصادرة عن جامعة معتمدة، حتى لا نضطر الى التشكيك في جودة الشهادات وجودة عمل اصحابها، ونحافظ على ثقة المجتمع بالاطباء، والمحامين، المهندسين، المعلمين، المحاسبين.. وغيرهم.
فقد اصبح إنشاء هيئة مستقلة تعنى باجراء اختبارات لاعطاء رخص مزاولة المهن، حاجة ملحة، في ظل استمرارية الكشف عن شهادات مزورة وركيكة ووهمية من جهة، وفي ظل وجود بعض اصحاب المهن ممن قد لا يجيدون ممارستها بالشكل المطلوب، وذلك وفق تشريع قانوني يلزم القطاعين العام والخاص، عدم استقبال اي موظف بهذه المهن، من دون ان يجتاز الاختبار، ويحصل على رخصة للمزاولة، تكون محددة المدة وتتجدد. خاصة في ظل وجود شهادات تحظى بمعادلة وقبول من وزارة التعليم العالي، لكن بعضها قد لا يلقى قبولاً من الجمعيات المهنية، منها الشهادات الهندسية.

الاختبار الشامل
على سبيل المثال، يبدو الاختبار الشامل لحامل الشهادة بعد اعتمادها من الوزارة، واعطاء رخصة القيادة ضمانا لجودة التعليم وجودة ممارسة العمل، ولا يبدو الامر بدعة، بل اعتمدته دول كثيرة، ضمانا لجودة التعليم، خاصة لحملة الشهادات من الخارج، الامر الذي يجعل فكرة تطبيق رخص مزاولة المهن، خاصة للتخصصات التي تتضمن جانباً عملياً ومهنياً في طياتها؛ كالتخصّصات الطبية والهندسية والتدريسية، تبدو الأنسب للوقوف على مدى قدرة صاحب الشهادة في مزاولة المهنة.
ووفقاً لمراقبين، فإن تطبيق الاختبارات الشاملة من هيئة مستقلة ومعتمدة في البلاد، لمنح رخصة مزاولة المهنة، أمر منصف وواقعي، ويحقّق العدالة بين خرّيجي الجامعات المعتمدة المختلفة، سواء في البلاد او من الخارج، خاصة أن دولاً مجاورة طبّقتها بالفعل، بنجاح.

جودة المهنة
ويرى المراقبون ان هذا الاختبار الشامل ينأى بالخريج عن عدم قبول شهادته في بعض الجمعيات المهنية، حتى وإن كانت معادلة من التعليم العالي، إلى جانب أن التجربة تضمن جودة المهن، التي لها ارتباط مباشر بصحة الناس، والعمران، والتعليم، للنهوض بهذه المهن نحو جودة أفضل.

هيئة مستقلة
ولا يبدو تطبيق الاختبار صعباً، فهناك سيناريوهات عدة ممكن اعتماد أحدها، منها: انشاء هيئة مستقلة، تضع اختبارات موحدة لكل مهنة على حدة، يخضع لها الخرّيجين، او الاعتماد على الجمعيات المهنية، او مؤسسات التعليم العالي المحلية كجامعة الكويت، خاصة ان هناك اختبارات جاهزة ومعتمدة من جهات تعليمية عالمية على شبكة الإنترنت، يمكن إجراؤها على حملة الشهادات، بعد حصولهم على المعادلات المطلوبة من التعليم العالي، أو يمكن إجراء اختبار محلي، يتم وضعه من قبل لجان متخصّصة تضم أكثر من ممثل عن جهات تعليمية ومهنية، في القطاعين العام والخاص، ومعنية بالتخصّصات، بحيث يكون الاختبار موحّداً لخريجي جميع الجامعات المعتمدة، لضمان إنصافهم، والوقوف على مدى جودة تعليمهم، مع ضرورة أن تراعي هذه الاختبارات الجانب العملي للتخصصات التي تتطلب ذلك.

تطوُّر المهارات

لا تقتصر ايجابيات اقرار رخصة مزاولة المهنة على الوقوف على جودة التعليم الذي تلقاه الخريج، بل ايضا تضمن الرخصة تطوُّر الخريج في مجال عمله، خاصة اذا كانت محددة المدة وتتطلب التجديد باختبار جديد ومتطور يواكب تحديث المهنة التي يمارسها الممتحن.

شهادات المقيمين

في ظل عدم طلب بعض المؤسسات في القطاع الخاص لمعادلة شهادات موظفيها من المقيمين، يبدو الاختبار حلا أسهل، للوقوف على جودة هذه الشهادات، فلن يمنح رخصة مزاولة مهنته، ما لم يخضع للاختبار المحدد، سواء كان مواطنا او مقيما، ما يعني القضاء على حمَلة الشهادات الوهمية والركيكة في هذا القطاع ممن نفذوا من دائرة رقابة وزارة التعليم العالي.

 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات