في عام 1899، وقّع الشيخ مبارك الصباح ــــ حاكم الكويت ـــ وثيقة الحماية بين الكويت وبريطانيا، يتعهّد فيها الشيخ مبارك بربط بلده بحماية أمنية تنقذه من أطماع الدولة العثمانية ومن مشاغباتها، مقابل تولي بريطانيا الشؤون الخارجية نيابة عنه، مع مطلق الحرية له في الداخل، فلم تكن الاتفاقية استعماراً ولا احتلالاً، كانت حماية من الأذى مقابل تولي بريطانيا إدارة الدبلوماسية الخارجية نيابة عن الحاكم، الأمر الذي يحقّق لها السيادة في إقليم الخليج.
كان الشيخ مبارك واعياً للمخاطر، مدركاً لمحدودية خياراته أمام الضغط العثماني، ومتفهّماً لضرورات الأمن وعلى وعي بميزان القوى في المنطقة.
بهذه الخطوة تمتّعت الكويت بحرية غير مسبوقة من تدخلات الآخرين في شؤونها، وأبرزهم السلطة العثمانية في الباب العالي، وتخلّصت الكويت من كابوس الهموم ومن أثقال القلق، ودخلت فصل الانطلاق، ووظفت شروط الاتفاقية لتحقيق الكثير، أبرزها:
أولاً ـــ انطلاق الشيخ مبارك كشخصية رائدة في الشأن الاقليمي بموهبة الحس الأمني الذي لازمه طوال حياته، مدفوعاً بالطموح لتوسيع حدود اماراته، متجهاً جنوباً وداخلاً كطرف محوري في جغرافية المنطقة، ناجحاً في تحقيق أرضي ومؤثراً حيوياً في دبلوماسية الاتصالات التي تمت بين بريطانيا والدولة العثمانية وأمير نجد وآل الرشيد في حايل.
كان الشيخ مبارك يتحرّك واعياً بأن بريطانيا تحمي ظهره من الأتراك ومطمئناً لسلامة حكمه، مع جسارة فيها فروسية الصحراء ووعي الحاضرة وحذرها، حاملاً طموحاً لم يتوافر لمن سبقه من الحكام، وعازماً على أن تكون الكويت أرض التجارة ومقعد نفوذ.
ثانياً ــــ تسيّد المجتمع الكويتي الشعور بالاطمئنان واليقين بالسلامة من أذى الجوار ومن مغامرات الطامعين، المركزة عيونهم على أهمية جون الكويت كأفضل ميناء طبيعي، واستفاد أبناء الكويت من فصل الحماية في الانطلاق البحري غير المسبوق خاصة في الفترة ما بين الحربين 1910 ــــ 1939، التي شهدت السيادة البحرية الخليجية للأسطول الكويتي المتواجد في شرق أفريقيا والقارة الهندية، متنقّلاً عبر المحيط ومتوقفاً في مدن الخليج العربية والفارسية، مع تعاظم النفوذ التجاري الكويتي في الاستيراد والتصدير، وحامياً الكويت من مجاعة ضربت المنطقة خلال الحربين الأولى والثانية، ورابطاً الكويت بمناطق الخليج، ومشيّداً جسوراً مع سواحل أفريقيا والهند.
ثالثاً ــــ التزمت بريطانيا بالدفاع عن الكويت، ووضعت حدّاً للشهية العثمانية، وبذلك أزالت الكابوس الذي أشغل الكويت وحكّامها، كما تدخلت بريطانيا لوقف التهديدات الصادرة عن القوى القبلية الأصولية عام 1928 ووضعت نهاية فصل غارات النهب والابتزاز في المناطق المحاذية للكويت.
تكررت فعالية الحماية البريطانية في يوليو 1961 مع تهديدات رئيس وزراء العراق اللواء عبد الكريم قاسم بضم الكويت بالقوة، مفجّراً أزمة إقليمية وعربية غير مسبوقة.
دخلت الكويت الجامعة العربية عضواً في ذلك الشهر، بعد تردد ومساومات، كان أبرزها سحب القوات البريطانية منها واستبدال قوة عربية رمزية بها.
كانت سنوات 1961 ـــــ 1990 أصعب سنوات الألم والمعاناة في تاريخ الكويت؛ لأن أنظمة العراق اللاحقة لم تتخلَّ عن ادعاءات قاسم ومارست لعبة الابتزاز ثم تجرأت على احتلال جميع الأراضي الكويتية.
رابعاً ــــ تعود بريطانيا عام 1990 ـــــ مستذكرة الالتزام التاريخي ــــ بقوة لتحرير الكويت من الغزو ضمن الائتلاف العالمي وبقوة ضاربة مشاركة الولايات حمل العبء الأكبر، في عملية وفاء لشراكة مريحة أفادت الطرفين وبمعرفة جيدة بحقائق الكويت.
خامساً ــــ مع التحرير جددت الكويت وبريطانيا الاتفاقية عبر شراكة أمنية دفاعية تميزت باتساع الملفات التي تتعامل معها، فتحوّلت بريطانيا من دور الحامي إلى شريك في كل مسارات التطور الاقتصادي والتكنولوجي والثقافي والسياحي، وترسّخت العلاقات مستفيدة من الألفة السياسية والأمنية التي بدأت في عهد مبارك الصباح.
سادساً ـــــ تعبيراً عن تقدير البلدين للدور المميز الذي لعبته اتفاقية الحماية في تأمين سلامة الكويت وفي الاسهام في تثبيت قواعد السلام والاستقرار في المنطقة، وتأكيداً على القناعة الراسخة بأهمية الشراكة الاستراتيجية بين بريطانيا والكويت، نظّمت وزارة الخارجية الكويتية احتفالاً في شهر يناير 2019 في فندق شيراتون الكويت، تحت رعاية النائب الثاني وزير الخارجية الشيخ صباح خالد حمد الصباح، الذي ألقى كلمة أبرز فيها إسهام بريطانيا التاريخي في أمن الكويت، ومبشّراً بتدشين مستقبل قائم على الفهم المشترك لقضايا العصر، مستفيداً من تجربة عمرها 120 عاماً، أتاحت للطرفين تجنّب المخاطر بوسائل سلمية وعبر التواصل والتفاهم، كما تحدّث سفير بريطانيا في الكويت السيد مايكل دافنبورت عن الالتزام البريطاني بأمن الكويت وسلامتها والحفاظ على سيادتها، كما أقامت جمعية الصداقة الكويتية ـــــ البريطانية حفلاً في السفارة البريطانية تحدث فيه السفير البريطاني عن تصورات لندن حول العلاقات، كما تحدثت باسم جمعية الصداقة عن الترابط التاريخي.
ومن الملاحظات المهمة وجود الجالية البريطانية، واتساعها في كل المجالات، اقتصادياً وأمنياً وتعليمياً مع تزايد مستمر في عددها.
سابعاً ــــ لا تخضع العلاقات بين البلدين إلى المعايير المتداولة، فمنذ توقيع اتفاقية الحماية 1899 لم تفرض بريطانيا رأياً علنياً، ولم تتعدَّ على حقوقنا، والتزمت يوم توقيع الاتفاقية بما كنا نريده، وأبقت على بلدنا كما كان منذ يوم التوقيع، ولم نتذمّر من تعاملها ولم نشكُ من سلوكياتها، وقفت معنا في الفقر، ودافعت عنا في الارتياح، وحررتنا ونحن أغنياء، ولم تمنّ علينا ولم تتبرّم منا عندما كنا نعترض على مسلكها، وسهّلت لنا طريق الاستقلال وصونه، وخرجت من هذه العلاقة مودة فريدة فيها اطمئنان نفسي، وثقة لا تهتز، وصارت لندن عاصمة الكويتيين المفضلة يشعرون فيها بأنهم أهل البلد، يضعون فيها أموالهم ويمارسون فيها تجارتهم، ويجدون فيها علاجهم وكل ما يشتهون.
نحن مع بريطانيا في تناغم أفلاطوني ــــ Platonic intimacy، صامد مع الزمن وثابت في قوته، ومفيد في حصيلته، يتمتع بارتياح الطرفين، واتسعت تأثيراته لتشمل معظم حياة العصر.
في شهر يونيو، وربما في 19 يونيو، سيكون الحفل بمناسبة مرور 120 سنة على توقيع الاتفاقية من نصيب لندن، بعد أن أخذت الكويت حصتها، حيث تستكمل الترتيبات لتأمين المحتوى المرتفع من المشاركين من الطرفين، في ترجمة حقيقية وملموسة لعزم البلدين على مواصلة التوجه المستقبلي بتأكيد هذه الصداقة الفريدة، والتعبير عن ضمان حياتها في آفاق المستقبل.

* المنسِّق العام لجمعية الصداقة الكويتية ــــــ البريطانية.

عبدالله بشارة

 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات