حينما عقدت الشقيقة مصر بزعامة الرئيس الراحل أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد للسلام مع الكيان الصهيوني، كنت يومها سفيرا لدولة الكويت لدى جمهورية السودان الشقيقة. وكان في الوقت نفسه للمملكة البريطانية سفير في الخرطوم، من أحد سفراء بريطانيا البارزين المخضرمين، إذ كان يعمل قنصلاً عاماً لبريطانيا في القدس ابان الاحتلال الصهيوني، وفي رحلة عمله الطويلة التي كسب فيها الكثير من الخبرات والمعرفة عمل حاكماً عاماً للسودان ابان الانتداب البريطاني لها.
ونظراً لما يتمتع به هذا الرجل من خبرة ودراية في شؤون العالم العربي، وخاصة في القضية الفلسطينية، وجدت من الأنسب أن أقوم بزيارة له لكي ألتمس رأيه في اتفاقية كامب ديفيد، وكم سيكون لها تأثير على تحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط.
وكعادة المسؤولين الكبار الإنكليز لم يدلوا بآرائهم في قضايا عالمية كهذه بسهولة، وكثيراً ما كانوا ولا يزالون يحتفظون بآرائهم لأنفسهم، إلا أن هذا الرجل لما تربطني وإياه من علاقة زمالة وصداقة.. قال لي رداً على ما أردت معرفته «لقد كنت عام 1948 قنصلاً عاماً لبريطانيا في القدس. حينما تم اجتياحها من قبل القوات الاسرائيلية، ولقد رأيت بأم عيني الأم العربية الفلسطينية وهي تودع «حليب ابنها الرضيع» أحد أرفف منزلها على أمل العودة لاستعماله بعد أسبوع واحد فقط حسب ما قيل لها. ولكن كما هو معلوم لم تتحقق العودة، ولم يتحقق أمل الفلسطينيين بالرجوع إلى بلادهم خلال فترة اسبوع واحد، بل ان رحلة الجلاء الفلسطيني والتشرد واللجوء للشعب الفلسطيني لدول أخرى استمرت أعواماً وأعواماً طوال لا يعلم حتى الآن إلى أي مدى ستستمر هذه الحالة، في الوقت الذي يرفض فيه الإنسان الفلسطيني الاستيطان في أي بلد آخر غير بلاده فلسطين، متمسكاً بكل قواه بالمطالبة بالعودة إليها.
وخلال هذه الرحلة أنجب الشعب الفلسطيني أبناء وأحفاداً حملوا مشاعر الآباء والأجداد بحب فلسطين والمطالبة بالعودة إليها، بل أزيد من ذلك حملوا السلاح للدفاع عن مطالبهم وآمالهم.
واستطرد السفير قائلاً: هذا من جانب الشعب الفلسطيني، الذي هو متمسك بكل ما يملك من قوة بالعودة لأرض فلسطين، التي غادرها بقوة السلاح مخلفاً وراءه كل ما يملك من مال وآمال، أما عن الجانب الاسرائيلي الذي هو الجانب الآخر المعني بالقضية الفلسطينية، فهو كما معلوم عاش سنوات طويلة من حياته في حالة تشرد إلى أن تجمعوا فوق فلسطين. فهل يا ترى أن هؤلاء القوم سيفرطون بها؟!
إذاً ما هو الحل؟!
برأي السفير وحسب ما أفاد به أنه يرى أن أي اتفاقية لم تشارك بها اطراف النزاع الفلسطيني اليهود والعرب اتفاقية فاشلة، لن يكون لها أي تأثير في إحلال السلام في فلسطين ولذا (وهذا رأي السفير) سيكون من الأجدى جمع أطراف النزاع على طاولة المفاوضات وجهاً لوجه للوصول بالحوار الهادئ البناء إلى اتفاق يرضاه الطرفان يؤكد بذلك إحلال السلام المنشود في فلسطين.
هذا رأي السفير البريطاني، الذي بلاده كانت تتحمل جزءاً من مسؤولية ما حصل في فلسطين، وهذا الحديث الذي جرى بيني وبينه كان في أواسط السبعينات.
فهل يا ترى من الممكن إيجاد الفرصة الكافية للحوار الجاد السليم بين الأطراف المتنازعة في فلسطين؟ وهل من الممكن الوصول إلى حل سليم لهذه القضية الشائكة؟

محمد سالم البلهان *

* سفير سابق

 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات