قُلْتُ:
حب قفاه فراق أبد ما فيه لذة
ودمع بليا شـوق حزن وحسرة

يختلف الناس في إحساسهم بالجمال النسبي، واستيعابهم لصوره، ويتفقون في الجمال في شكله العام، فتتباين آراؤهم إزاء تفاصيل الأشياء والنظر إلى دقائقها، وكذا النظر من خلال زوايا متعددة يلحظها البعض، وتخفى على الآخرين، ويتوقف ذلك على ذائقة كل منهم في رؤية الجمال.
هناك من يعشق الشكل جمالاً في تفاصيله العامة، فلا ينظر إلى مواطن قد تصرفه عن ذاك الجمال، والعرب قديماً تكلموا في تفاصيل الوجه، وكادوا يتفقون على ما يحملهم وصفه جمالاً في الأنف، فقالوا في المثل: «الملاحة في الأنف»، وهذا أمر يمكن أن يلحظه من عشق الجمال في كل مكوناته، فالأنف يقع في وسط الوجه، يوجه الجمال كيف شاء.
وهناك من يعشق العينين في لونهما المحبب عنده، وكأن بقية الألوان تخرج من دائرته، أو يعشق اتساعهما، أو بياضهما، وكل ذلك في عرف الواصفين جمالاً. والعين محل النظر آسرة ان تقابل النظر بالنظر، وتوالت على إثرها الأحاسيس، لذا عُدَّ الخَفَرُ جمالاً إن تلاقت العيون وغض بصر واحدة منها خفراً.
وللشفتين في إطباقهما وتحريكهما أثناء الكلام جمال عند من يعشق الكلام ومخارجه، ويعشق سكون النفس وانشراحها. والشفتان محل الألوان وتمازجها إن صبغتا بها، واللون فيهما يعبر عن ذائقة من تضعه، وإن كان طبيعياً ذاتياً عبّر عن جمال رباني لا حاجة لإبراز جماله بلون مغاير.
وللأنفس جمالها، فهناك من تألفه لأول وهلة، فتآلف النفوس له ما يبرره إن تمازجت الطباع، وحسنت الأخلاق، وصارت الألفة منبعاً، وصار الود جامعاً، عندها يحلو الحديث، وينطق اللسان بكل ما يبهج النفس، ودلالات ذلك واضحة، فالوقت لا يذكر إطالة، ولا مكان للتحول من ذاك المكان، فاستشعار متعة الحديث تجاوزت الزمان والمكان.
وللقلوب في محبتها وإظهار ما يجمعها حكاية، فلا شيء يعادل القلوب إذا ما أحبت روعة وبهجة. وإذا ما تقاسمت الشوق ودموعه، عبَّرت عن صورة واقعية لتباريحه وجمال أحاسيسه. والقلب في عشقه يذهل العقول، ويخرجها عن معقولها ومنطوقها، ويصرفها إلى ما تدركه إحساساً يتملكها أنَّى سارت، وأنَّى رحلت، وأنَّى حلَّت.
إن الإحساس بالجمال يدركه من رق قلبه، ورهف حسه، وجادت ذائقته بعذب الكلام، وسحر البيان، وحفظ الخلَّة، وتجاوز الزلَّة، وصان الود، وسار في تؤدة وحسن تدبير إلى ما يقربه من الغير محبة وألفة.

د. سعود محمد العصفور
dr.al.asfour@hotmail.co.uk

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات