الورقية - كتاب وآراءكتاب وآراءمقالات

الشيخ ناصر.. طائر في فضاء الكويت

تطوَّع الشيخ ناصر صباح الأحمد الجابر، النائب الأول، وزير الدفاع، للدخول في مواجهة مع التاريخ في مسعاه لتحقيق حلم مشروع «الحرير»، وأجزم بأنه على علم بثقل التبعات في اختيار التحدي، مع إدراك بالتعقيدات التي ستعارضه في مساره نحو هذا الهدف الكبير، الذي سيقلب النظام الاقتصادي الكويتي على رأسه، ويبدله نحو مفاهيم الدولة الرأسمالية، في خروج واضح عن إطار الدولة الرعوية التي احتضنت المجتمع.
مشروع الشيخ ناصر مؤشر لنهاية الدولة الأبوية الخليجية التي تشبه الجمعيات الخيرية في وظيفتها لتوفير الراحة والاطمئنان.
يقول الشيخ ناصر في تلك الإطلالة، التي شرح فيها خريطة الطريق لوادي الحرير إن المشروع لا يتعارض مع الدستور الكويتي ولا يتجاوزه، وسيكون لمؤسسات الدولة السياسية السلطة على كل شيء، ثم يبشّر المجتمع بأن المشروع يمنع الاحتكار ويدعم المنافسة على أوسع نطاق، وترتفع الآمال باستثمارات تصل إلى 650 مليار دولار.
ومع هذه اللوحة التي عرضها الشيخ ناصر، تبرز تساؤلات لم تغب عن وعي الشيخ ناصر المتابع لأحوال البلد، والملمّ بالتخشّب الذهني، المساهم الأكبر في عرقلة التطور..
هناك ملاحظات لا بد من تسجيلها:
أولاً – يعرض الشيخ ناصر خريطة اقتصادية واجتماعية ومالية مختلفة تماماً عن القاعدة التي تتحكّم في كيان الدولة، المعتمدة على حصيلة تأتي من النفط تستوعبها مسؤوليات الدولة في تأمين استمرار دولة الرعاية من توظيف وتشييد البنية التحتية ومستلزمات الدولة العصرية وتأمين اجتماعي مريح، مع الوفاء بمستحقات الأمن والدفاع واستدامة كيان الدولة.. باختصار ستكون حصيلة المشروع تفكيك دولة الرفاه، وبروز دولة في نظام اقتصادي واجتماعي جديد.
ثانياً – يحتاج الشيخ ناصر إلى آلية تثقيفية تضخّ معاني المشروع، وتشرح الفوائد، وتقنع المترددين، وتضمن المتحمّسين، وتخاطب الناس بلغة مبسطة، تبرر انحسار دور الدولة الرعوي ومزايا النظام البديل، كانت المقابلة التي قدمها الشيخ ناصر ثرية بالآمال التي سيحققها النظام الاقتصادي الجديد، إذا ما نجح في استخراج موافقة من السلطة التشريعية التي يعرف حرصها على التمسّك بالنفوذ المستخرج من الدستور، ويعرف أكثر صعوبة مباركة هذه السلطة لخطوات تضعف المرتكزات التي يعتمد عليها أغلب النواب، وأبرزها الحصول على منافع نيابية، تستفيد منها القواعد الانتخابية للنواب، وتتضمن تعيينات وترتيبات ووظائف ووسائل الاسترخاء، ولا يخفى على الشيخ ناصر القاعدة التي تشكّل التوازن في العلاقات بين السلطتين، وأصبحت ميزان النجاح، وهي التعاون في التصويت مقابل الامتيازات.
ثالثاً – ليس من السهل الحصول على توافق حكومي ــــ برلماني على خطة، تحرم النواب من مقام العضوية، وتبعد عنهم بريقها المؤمن للمشاركة في الشأن السياسي وحصانة نيابية.
وهنا لا بد أن يتمكن الشيخ ناصر من تأمين توافق قيادي يتسلّح به في التعامل مع الجدار البرلماني المعرقل، ويستوحي في هذا الموقف شيئاً من تجارب زعامات تاريخية، تولت واجب المواجهة مع مؤسساتها وجندت كل إمكانات الدولة للفوز لأنه يحظى بمساندة شعبية.
رابعاً – سيكتشف الشيخ ناصر أن مشروعه يستوجب النزول إلى الساحة الشعبية الجماهيرية لترويض المعارضة البرلمانية، ويتطلب الوضع في هذه الحالة، إحياء التجمعات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني بحوارات عن المكاسب، وعن حجم التعويض الذي يناله الشعب كثمن للتضحية بنظام رعوي وجد فيه المواطن كل الراحة.
ليس من السهل تجنيد هذه المؤسسات من دون وعي سياسي واجتماعي وقناعة شعبية مؤثرة تتقبّل الدخول في فصل جديد.
خامساً – يشير الشيخ ناصر إلى أن صاحب السمو الأمير وفّر ميزانية لإيجاد شركة متابعة لدراسة إعادة ترتيب إدارة الدولة، بحيث تتشكّل إدارة تضيف للدولة، ولا تكون عبئاً عليها، وأنه شرح هذا التصوّر للنواب، ومعنى ذلك أن التسويق انطلق في فضاء الكويت، وهنا يبدأ المدخل للوصول إلى التجمّعات الأهلية الشعبية التي من المناسب دعوتها للحوار مع اللجنة المتخصصة بتنفيذ المشروع لإبراز الحقائق وشرح المرئيات، والوقف على الأفكار التي تخرج من هذه التجمعات، ويعني ذلك تشكيل فرق المحاورة من المستشارين ومن مجلس التخطيط لتسويق المشروع وكشف الفضائل التي سيجنيها شعب الكويت.
في عام 1962، اتخذ الرئيس جمال عبد الناصر قراره بتغيير النظام الاقتصادي والاجتماعي في مصر، وعرض بعد مناقشات طويلة ميثاق الدولة الاشتراكية، واجه المشروع الناصري الكثير من المشاكل، أثّرت سلبا في نجاحه، لأن الحوارات انحصرت ضمن مساندي النظام وأتباعه، ولم تكن هناك مجادلات.
في تجربة ماليزيا، جاء رئيس الوزراء د.محمد مهاتير طارحاً منظور الحزب الاقتصادي والسياسي في مناقشات حقّقت التوافق الشعبي، فشارك الجميع، المعارِض والمؤيّد، ونجح د.مهاتير؛ لأن الباب مفتوح للجميع.
صحيح أن الكويت تأخّرت في تحقيق البدائل عن الاعتماد على النفط، والسبب أن القرار السياسي الحاسم لم يأت زمانه، فلم يعد هناك الآن سبب للتأخير في ضوء بروز واقع النفط الصخري المؤثر في النفط التقليدي، وتقلّبات الأسعار واختراعات التكنولوجيا.
سادساً – تثير توقّعات الشيخ ناصر من ملف الاستثمار الكثير من المخاوف، خصوصا أن الأرقام المتوقّعة تفوق التصور، مع تساؤلات عن منابع هذه الأرقام وعن نوعية الادارة التي ستروّض هذا المشروع الذي سيولد أربعمئة ألف وظيفة، وتبدلات في التركيبة السكانية مع تغييرات في هيكلة القطاع الكويتي الخاص الذي سيكبر شأنه مالياً وسياسياً، وفي مرتكزات الأمن الوطني.
سابعاً، وأخيراً – ماذا عن دول الجوار، لا سيما إيران والعراق، وجدية التعاون، وعن رسم الدور الذي سيلعبه كل منهما، وتساؤلات عن قدرتهما في الظروف المعروفة عنهما، وواقعية التوقّعات من هذين الجارين؟ فلن ينجح المشروع من دون مشاركة الجوار، ومن هذا المنطق تزداد مسؤوليات الشيخ ناصر للوصول إلى هذا التعاون.
مهما كانت صلابة الصخور أمام الشيخ ناصر فلا بد من تقديم العون له كطائر جميل يغرّد في سماء الكويت بصوت جديد، وإيقاع مثير.

عبدالله بشارة

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

الصندوق الأسود

مقالات ذات صلة

إغلاق