يعتقد الكثيرون ــ ومنهم أنا ــ أن الأثل والكينا أشجار كويتية أصيلة.. لكن إحدى الروايات الوجيهة تورد أن المنقبين الإنكليز عن البترول ساءهم فقر البيئة الكويتية، فقاموا بزراعة أشجارٍ تتحمل البيئة القاسية وندرة المياه كالأثل والكينا والسدر والصفصاف كنوعٍ من الإثراء البيئي.. بدءاً بالأحمدي ثم انتشرت في سائر مناطق الكويت الحديثة.. من هذا يتضح أن هذه الأثل والكينا أشجار «كويتية» ــ وفقاً للمفهوم الإداري لإحصاء 1965 ــ لكنها تبقى بالمفهوم الشعبوي العنصري أشجاراً «بدون»!
شاهدتُ بأسى الصورة التي التقطها الزميل علي عاشور؛ والتي تصور طابوراً من العرب يعبرون الثلج خلف تابوت خشبي مصنوع من إحدى الأشجار الكندية.. كانت جنازة الأديب الراحل ناصر الظفيري رحمه الله.. صورة تلخص وحشة الاغتراب عن أرضٍ وناسٍ كانوا محور كتابات الراحل وأدبه واهتماماته.. الظفيري الذي سُئل يوماً عن إحساسه، عندما يلقبونه بالأديب الكويتي ــ وهو الكويتي البدون الذي هاجر سعياً للجنسية الكندية.. فقال: أنا ما عندي جنسية أنا عندي وطن.
وسطَّر الشاعر بدر شاكر السياب شعور فقدانه الوطن حين داهمه الموت، وهو يرقد على أحد أسرّة المستشفى الأميري في الكويت، منشداً: «الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلام.. حتى الظلام.. هناك أجمل...» ...وقد تحقق للسياب أمله فاحتضنه تراب وطنه، بعدما دُفِن في البصرة.. لكن المؤسف والمؤلم أن إنساناً كالراحل ناصر الظفيري لم يجد قبراً في وطنه ليضمه ولا عزاءً تقيمه مؤسسات الدولة الثقافية في بلادٍ أفنى نصف حياته في خدمتها عاملاً في أجهزتها، والنصف الآخر في إعلاء أدبها حتى في غربته القاسية، التي أبى أن يكتب عنها وبقي يكتب عن الكويت وأهلها ولها.. عن وطنه الذي ندم على مغادرته حاملاً ذكرى الأثل والكينا إلى بلاد الغربة.. ويبقى إصرار الظفيري على انتمائه ومواطنته من أنبل وأنقى المواقف التي تتجاوز المفهوم الضيق أو الانتهازي للجنسية، التي تفرض نفسها وجودياً بوجه تعسف إداري بليد لا يعرف كيف يميز بين أبنائه الخيرين المخلصين وأولئك العاقين المفسدين.
رحمك الله يا من وفيت بوعدك القائل عن أدب البدون: «سأقاتل حتى آخر يوم في حياتي حتى يبقى هذا الأدب كويتياً».. وسيبقى كويتياً.

سليمان البسام

مؤلف ومخرج مسرحي
@SAB_Op

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات