الورقية - المحلياتمحليات

ممرضات هنديات يتعرضن لكابوس في الكويت

عائشة الجيار –
استغرق انجاز هذا التحقيق أكثر من عام، حيث رفضت كل الجهات الحديث فيه، بمن في ذلك الضحايا ممن تعرضت احلامهن لأسوأ كابوس.. وبعد ستة أشهر متصلة من المحاولة، وافقن على الجلوس والتحدث لـ القبس، فبدأت رحلة التقصي.
وعلى الرغم من ان قضية «الممرضات الهنديات» شغلت الصحف المحلية منذ سنوات، وشجبته بيانات جمعية التمريض الكويتية، فإنها ما تزال قضية قابلة للتكرار، لا سيما انها نسيج أيدٍ كثيرة في اطار شبكة مصالح قوية ضمّت متنفذين في وزارة الصحة، وشركات توظيف عمالة تتعامل معها الوزارة، ووسطاء يعقدون الصفقات، سواء في الكويت أو الهند، والنتيجة اتجار بالبشر واستغلال حاجة الممرضات للعمل، وسط صمت عجيب من سفارة الهند لدى البلاد تجاه الأمر وعدم تصعيدها للقضايا التي تخص رعاياها!
التجارة بالممرضات مستمر منذ سنوات، وفي عهد وزراء سابقين، كان بعضهم وكلاء وزارة في احدى الفترات التي جلبت فيها الممرضات وبتوقيعهم على اوامر الجلب، وبعد أن أصبحوا وزراء باتوا مسؤولين عن حل المشكلة!

كان من المفترض نشر هذا التحقيق نهاية عام 2018، لكن بعد تواصل الضحايا مع معدة التحقيق، وأن هناك أملا في الحصول على وظائف مع بداية عام 2019، وخوفهن من أن نشر التحقيق قد يعوق آمالهن التي باتت مستحيلة، تم تأجيل النشر. ومع التواصل مع الضحايا من الممرضات، وجدنا بالفعل أنه تم توظيفهن، بعد نحو ثلاث سنوات من مجيئهن للكويت، بدون وظيفة ولا راتب، وتوقف عن العمل ومهنتهن، ثلاث سنوات بلا أي تعويض. وغير واضح حتى الآن هل تم توظيفهن بعقود أو بنظام المكافآت.
لماذا قررنا نشر التحقيق إذا كانت الممرضات الهنديات قد رضين بحصولهن على وظيفة من دون أي تعويض عن الفترة السابقة، ومن دون الحديث عن القضية، أو إعلان الوزير عن نتائج التحقيقات في ملف الممرضات (الذي حوِّل إلى النيابة، دون أي جديد)؟!
قررنا نشر التحقيق، لأن الجناة أحرار، وربما هم في ذات المناصب المتنفذة في وزارة الصحة، من يظن أن الضحايا هنا فقط الممرضات، فهو واهم، بل الكويت،اسمها وسمعتها، أيضا متضررة، فممارسات هؤلاء المسؤولين المتنفعين تثبت على الكويت تهمة التجارة في البشر، لمصلحة من يظل هؤلاء بدون عقاب؟ ولمصلحة من تستمر الرشاوى والعمولات والتنفيع لجلب الممرضات الهنديات؟
لماذا لا يعلن وزير الصحة الآن أن يكون جلب الممرضات عن طريق الحكومات فقط، بين الحكومة الكويتية والحكومة الهندية، ودون أي وسطاء؟
القبس تنشر التحقيق الذي تم الانتهاء منه نهاية عام 2018 والتحديث الوحيد فيه، والمفرح، أن الممرضات حصلن على وظائف، لكن علينا أن نعرف وندرك التفاصيل في حياة كل ممرضة قابلناها، تفاصيل مؤثرة وآلام عميقة، ننشر لأننا نريد ضمانة الا يتكرر ذلك، فهل ستكون هناك ضمانة؟
وسائر أسماء الممرضات في هذه المادة مستعارة بناء على طلبهن وحرصا على سلامتهن الشخصية. تم أجراء هذا التحقيق بالتعاون مع الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية (GIJN).

رحلة البداية
أكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر، هي المسافة التي تفصل قرية سارة (28 عاما) في ولاية كيرالا الهندية، ومكان إقامتها في الفروانية. كانت الأحلام بمستقبل مشرق قد حملتها إلى هنا في مارس ٢٠١٦، حيث غادرت سارة بلدها مخلفة وراءها اسرتها الفقيرة وطفلة لم يتجاوز عمرها بضعة أسابيع، وكان أمل الأسرة أن تعود الفتاة محملة بالهدايا لابنتها ولهم. لكن ذلك لم يحدث قط.
أمضت سارة أكثر من عامين في الكويت بلا وظيفة أو راتب، لكنها ليست الوحيدة فالعشرات مثلها من الممرضات جئن من الهند أملا في تحسين أوضاعهن المالية وتقديم يد العون لأسرهن في الديار البعيدة، لكن سرعان ما تبدد الحلم حين وجدن أنفسهن حبيسات غرفهن بلا وظائف ومرتبات أو تأمين صحي.

إقامة جبرية
ميري (28 عاما)، كغيرها، مضى على وجودها زهاء عامين في الكويت، وقادتها أحلامها المشروعة الى الظفر بفرصة عمل في الكويت بمرتب شهري بين 600 ـ 800 دينار، تكفكف به دموع أحزان أهلها هناك وتحقق لهم معيشة كريمة، لكن لم يعد الأمر ان يكون مجرد حلم، ومع عدم قدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية وجدت ميري نفسها حبيسة السكن منذ مارس 2016 وحتى نهاية 2018، بلا نقود ولا أوراق قانونية تسمح لها بالخروج من السكن.
أقامت ميري، كغالبية زميلاتها في سكن الممرضات التابع لوزارة الصحة، وهو عبارة عن بناية حديثة بتجهيزات تشبه الفنادق من فئة ثلاث نجوم. ورغم أن المكان يوفر الوجبات الثلاث إلا أنه لا يقدم أي مساعدة تتعلق بالمستلزمات الشخصية النسائية كمستحضرات العناية الشخصية والأدوية.
ووفقا للعقد الذي وقعته للحضور للكويت، كان يفترض أن تصدر لميري إقامة صالحة لعام او عامين خلال شهر من دخولها، ثم تستخرج بطاقة مدنية تمكنها من الحركة والعمل والعلاج.

العون من الديار
لتتغلب تلك الممرضات على قلة المال لم يجدن مخرجا سوى اللجوء للأهل في الهند، عِوَض ان يخففن هن آلام ذويهن، تماما كما حصل مع انجلينا (29 عاما)، وتقول «تلاحقنا الأسئلة في كل مرة متى ستنتهي المشكلة، متى ستحصلن على الوظيفة وعلى رواتبكن؟».
التوقف عن العمل في مهنة التمريض مدة طويلة ليس في مصلحة الممرضات كما تشير انيتا (30 عاما)، التي وصلت الكويت في يونيو 2016 وظلت بلا وظيفة أكثر من عامين. تقول: «لن تقبل جهة توظيفي بعد كل هذه المدة من التوقف عن العمل، هذا غير مقبول في مهنتنا».
وبعد مضي سنوات، توظفت انيتا لكنها لا تزال حانقة على ما ضاع من عمرها في الكويت والتعرض لما تعرضت اليه.

تأجيل الإنجاب
طُلب من تلك الممرضات في الهند، من قبل الوكالات المحلية، عدم الإنجاب في فترة الاختبارات للتعيين، ولمدة عامين بعد التعيين، وفق ما أفادت به ممرضات لـ القبس.
ريتا (34 عاما) تزوجت منذ اربع سنوات، وفي بداية زواجها قدمت على فرص وظيفية للقدوم للكويت، حيث سبقها زوجها للعمل، وهو ما تطلب منها عدم الإنجاب، وتقول: «كان حلمي أن اجتمع مع زوجي في بلد واحد ونكون أسرتنا سويا. عمري يقترب الآن من الخامسة والثلاثين ولم أنجب طفلي الأول بعد، واستخدم موانع الحمل، واخاف أن تقل فرصتي في الحمل في السنوات المقبلة أثناء انتظاري الوظيفة». وبالرغم من ان ريتا استلمت وظيفتها هنا منذ نحو شهر، لكنها لا تستطيع الحمل مدة عام تقريباً من استلامها العمل، أي تم تأجيل حلم الحمل والانجاب لأكثر من خمس سنوات حتى الان، اذا تم حساب الفترة التي قضتها في الاختبارات في الهند والاستعداد للحضور للكويت.

الوزير «يدري»
بدأت تلك الممرضات بالتوافد إلى الكويت بين عامي 2015 – 2016 بعد أن جرى اختيارهن من قبل لجان تابعة لوزارة الصحة الكويتية وبناء على امتحانات عقدت لهذا الغرض، وفق ما يفيد المصدر المسؤول بالسفارة الهندية في الكويت.
وقال المصدر ان إجراءات انتقال تلك الممرضات للكويت عقب اختيارهن تم من خلال شركات توظيف كويتية وسيطة بين حكومتي البلدين. بعد وصولهن لمكان إقامتهن التابع للوزارة، لم يجر توفير الدرجات الوظيفية لهن في أي من المستشفيات الحكومية.
طوال فترة العمل على هذه القصة، رفضت جمعية التمريض الكويتية أو السفارة الهندية التعليق على الأمر بشكل رسمي، رغم تداول تقارير غير مؤكدة عن وقوف مسؤولين في وزارة الصحة خلف شركات التوظيف التي تتحكم في جلب الممرضات من الهند للبلاد.
مسؤول في جمعية التمريض فضل عدم ذكر اسمه، يقول: «وزير سابق في الصحة يعلم بذلك، لكنه يعتقد أن الفساد أكبر من أن يحل بقرار، فشبكة المصالح تشمل بالإضافة لشركات التوظيف موظفين داخل الوزارة».
ووفق مسؤول في «التمريض»، السبب الرئيس في معاناة الممرضات ينحصر في صراع بين شركات التوظيف للحصول على عطاءات جلب الممرضات حتى لو لم يكن من المؤكد حصولهن على وظائف، ويقول: «الكويت تحتاج الى مزيد من الممرضات والممرضين، فهناك مستشفيات جديدة تبنى وتوسعات في المستشفيات القديمة، وأوضح مثال على ذلك مستشفى جابر الذي تم إنشاؤه في عام 2013، أي قبل خمس سنوات، وسارعت الشركات الخاصة والتي على علاقات بمتنفذين في وزارة الصحة بإجراءات جلب الممرضات من الهند، لكن ما لم يكن في الحسبان هو عدم تشغيل المستشفى، وهنا وقعت فضيحة جلب ممرضات من دون توفير درجات وظيفية لهن، لأن ديوان الخدمة المدنية لا يمنح درجات لعاملين في مستشفيات لم تعمل بعد».

السفارة الهندية
وفق مسؤول في السفارة الهندية لدى البلاد، فضل عدم ذكر اسمه، فإن من أصل الثمانين ممرضة، ١٩ فقط كن محظوظات وتمكنّ من تحصيل إقامات سارية بكفالة وزارة الصحة. ثمة خمس ممرضات أصبح لديهن إقامات عائلية، عقب أن جرى استقدامهن بناء على وجود أزواجهن أصلا في الكويت، بينما عاشت البقية، حوالي ٥٦ ممرضة، بلا إقامات في مخالفة لقانون الهجرة. وحده الحظ من ساعد الـ٢٤ ممرضة على تحصيل تلك الاقامات، بعد أن تحصلنها، تبين أن لا وظائف لهن جميعا، وتوقف تباعا استصدار الاقامات لبقية الممرضات. (هذه الأرقام حتى بداية عام 2019).
يعتبر مسؤول في السفارة الهندية أن الشركات الوسيطة هي السبب الرئيسي في جلب الممرضات من دون أن يكون لهن شواغر جاهزة في الكويت، ويقول: «اجزم انه حتى لو حلت هذه المشكلة فإنها ستظهر مجددا عبر شركات تتحكم في عملية التوظيف في كل من الكويت والهند»
ويضيف: «ينبغي قطع الطريق عليهم عبر الاستعاضة بالتعامل المباشر بين الحكومتين الكويتية والهندية بوصفها الطريق الوحيد لاستقدام الممرضات للكويت».

12 شركةً تهيمن على التوظيف

يقول مسؤول في جمعية التمريض: إن «هناك 38 شركة توظيف لهيئة التمريض مسجلة في وزارة الصحة، 12 منها فقط تسيطر على جلب الممرضات للوزارة، وفي هذه القضية تورّطت 4 شركات توظيف لها صلات قوية بمسؤولين داخل الوزارة».
وحاولت معدة التحقيق التواصل مع الشركات التي تم ذكر أسمائها، لكنها لم تجد ردا على الهواتف المذكورة في بياناتهم في الكتاب أو غرفة التجارة، بينما لم تجد أي معلومات مسجلة عن شركتين منهما، سواء في موقع غرفة التجارة أو المسجل عليه الشركات!

فلسفة الصمت الهندية.. مطمع الفاسدين!

لماذا تصمت السفارة الهندية عما يتعرّض له رعاياها؟ ولماذا لم تقدّم أي ممرضة هندية شكوى رسمية؟ فرغم إلحاح بعض الجهات الحقوقية في البلاد عليهن للقيام بهذه الخطوة لنيل حقوقهن فإنهن رفضن!
طرحنا تلك الأسئلة على مسؤول في السفارة، فقال: «إنها الفلسفة الهندية، إنه أمر يرتبط بثقافتنا، أن نتحمّل، نعم نعلم أن الأمر لو حدث مع رعايا دولة اخرى؛ كالفلبين أو مصر، لكانت هناك ضجة في كل مكان، لكننا نتعامل مع الأمور بشكل مختلف، ونصبر بشكل كبير، وهذا للأسف ما يشجع الفاسدين والظالمين على التمادي، لكن في المقابل، أعتقد أن الجالية الهندية مفضلة ومحبوبة في الكويت والخليج لهذا السبب، وكما قلت هو أمر مرتبط بثقافتنا الهندية».

استقدام برعاية حكومية!
وفق كتب رسمية صادرة عن وزارة الصحة عام ٢٠١٧، فإن المسؤول عن استقدام الممرضات المعنيات إلى البلاد دون تأمينهن بالعمل اللازم كان كلاً من وزير سابق ووكيل مساعد بالوزارة. ووفق تلك الكتب الموقّعة من قبل هذين المسؤولين، جرت إحالة أمر استقدامهن من بلدهن على ثلاث شركات محلية، علاوة على شركة رابعة تمت بطلب لاستقدام هيئة تمريضية بتاريخ 2017/7/9 ومصدّق عليه آنذاك من الوزير ووكلاء في الوزارة.

مشكلة متكررة

مشكلة الممرضات الهندية، ليست الأولى من نوعها في الكويت، فقبل شهور كشفت تقارير عن ٥٨٨ ممرضة هندية جرى استقدامهن عبر شركات خاصة من دون توفير وظائف لهن. تواصلت مشكلة اولئك الممرضات نحو ستة أشهر من ابريل 2017، وحتى إعلان وزارة الصحة في أكتوبر من العام ذاته عن دراسة المشكلة والعمل على حلها، إلا أن الحكومة استقالت بعدها بأسابيع قليلة.
ووفق المسؤول في جمعية التمريض، فقد تم الحل على مراحل، من خلال تأمين جزء من الممرضات بــ 300 تقريبا، بعقود عمل ثابتة تشمل الإجازات ومكافآت نهاية الخدمة، في حين جرى توظيف الأخريات، وهن نحو 200 على نظام المكافأة من دون أي من تلك الامتيازات، وهو ما يخالف عقود توظيفهن الأصلية، التي دخلن البلاد على أساسها.

مطالب السفارة

كتب رسمية في «الصحة»، تفيد بموافقة مسؤولة في الوزارة على تشكيل لجان خارجية في الهند من قبل الشركات، لجلب ممرضات، ما يخالف بشكل صريح مطالبات السفارة الهندية لدى البلاد بعدم اللجوء الى شركات خاصة، وحصر امر جلب الممرضات الهنديات الى الكويت من خلال شركات حكومية من دون تدخل وسطاء من القطاع الخاص.
وتشير الكتب الى أن هذا الإجراء يتفق مع الإجراءات القانونية الجديدة في الهند، والتي صدرت لتلغي دور الشركات الوسيطة. بعد خروج بيان من جمعية التمريض في أكتوبر 2017، يستنكر فحوى هذا الكتاب، تراجع وزير الصحة آنذاك عن استقدام عمالة تمريض جديدة من الهند بعد لقائه بالسفير الهندي، معلناً أن الوزارة ستعيد تقييم الآلية.

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

السودوكو

مقالات ذات صلة

إغلاق