بعد السلام

الورقية - كتاب وآراءكتاب وآراءمقالات

البيع بالنية وحسن الطوية

التاجر الأسوة في كويت الماضي (115)

من المعلوم أن عملية التجارة كانت تتم قبل اكتشاف البترول على ظهور الإبل، وكان أهل الكويت يتاجرون مع أهل المدن النجدية والجزيرة العربية عبر نقل البضاعة بهذه الطريقة. ومن أبرز الحواضر النجدية التي تعاملت مع أهل الكويت «الزلفي وبريدة وعنيزة»، وكانت تلك القوافل عندما تصل إلى الكويت تنوخ نوقها وجمالها خلف السور (بالقرب من منطقة الشامية) ويذهب التجار للبيع والشراء وتسلم بضاعتهم في ذلك المكان، وكان هناك شاب طموح (لا يعرف اسمه) جاء ليشتري القماش (يسمى الخام عند أهل الكويت) من التاجر عبدالرحمن محمد البحر، وسأل هذا الشاب النجدي التاجر عبدالرحمن البحر عن سعر القماش، فأجابه التاجر عبدالرحمن البحر قائلاً: «الطاقة بعشر روبيات» (الطاقة: هي ربطة القماش وطولها تقريباً من عشرة إلى عشرين متراً)، فقال له الشاب النجدي: «راعيني يا عمي واحسبها لي بسبع روبيات»، فرفض التاجر البحر ذلك السعر قائلاً: «هذا رأسمالها الأصلي، ولا أستطيع أن أبيع لك بهذا السعر». فقال له الشاب النجدي: «بعها لي يا عمي بثماني روبيات»، فوافق التاجر البحر على ذلك السعر رغم قلته، ولكنه أراد أن يساعد هذا الشاب لما لمح فيه من الحماسة والجدية والرغبة في النجاح، وقال له «اعتمد». وجاء هذا الشاب النجدي بعد بضعة أيام ليأخذ ما اتفق عليه من الخام مع التاجر عبدالرحمن محمد البحر، ويقدر الله عز وجل أن ترتفع أسعار الخام في تلك الفترة الوجيزة ارتفاعا كبيرا جداً وغير مسبوق، فيسمع ذلك الشاب النجدي الطموح بما حدث من أحداث، وتأتيه الأخبار متوالية عن ذلك التغير الكبير في أسعار الخام فيستحي أن يذهب إلى التاجر عبدالرحمن البحر ليأخذ منه ما اتفقا عليه من خام على اعتبار ان السعر تغير، وبالتالي فإنه من المنطقي أن يقوم التاجر البحر برفع سعر القماش نتيجة طبيعة لتلك الزيادة الكبيرة التي حلت على سوق الخام بأكملها، وكان هذا الشاب يشعر بالحرج من أن يكلم التاجر البحر لتخفيض السعر مرة أخرى، وأثناء مرور التاجر عبدالرحمن البحر بالسوق لمح الشاب النجدي فناداه وسأله: «لماذا لم تأت وتأخذ الخام الذي اتفقنا عليه؟!». فقال له الشاب النجدي: «يا عمي السعر ارتفع كثيراً عن السعر الذي اتفقنا عليه، وأنا لا أستطيع أن آخذ البضاعة بالسعر الجديد، وأنت في حل يا عمي من اتفاقنا». فقال له التاجر البحر بكل ثقة: «أنا بعت لك البضاعة وانتهى الأمر، وكانت نيتي صادقة بأن الخام لك مهما ارتفع في سعره، ولن أغير نيتي مهما حدث، تعالَ يا بني وخذ بضاعتك، بارك الله لك»، فذهل الشاب النجدي من رد التاجر عبدالرحمن البحر ومن هذا الموقف الشهم منه وهذه الروح الطيبة، التي جعلته يبيع له الخام بالسعر القديم الذي تم الاتفاق عليه رغم تلك الزيادة الكبيرة في الأسعار لأنه نوى تلك النية وعزم على تنفيذها فقط.
هذه واحدة من النماذج المؤثرة من حياة التاجر الأسوة في كويت الماضي.

د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي
ajalkharafy@gmail.com
WWW.ajkharafi.com

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

الصندوق الأسود

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock