كتاب رسالة في التسامح للفيلسوف الفرنسي فولتير (1694 ــ 1798م)، هو كتاب مؤثر في الفكر الأوروبي ويستحق الاطلالة عليه، حيث بدأه بسرد قضية جان كالاس، التي وقعت في فرنسا، وهي قضية تعصب مذهبي استجاب فيها رجال قضاء مدينة تولوز لضغوط وتعصب العامة، فحُكم بالإعدام على كالاس رب الأسرة، وتشريد باقي الأسرة التي لجأت إلى القضاء والملك في باريس.
ويسرد الكاتب مساوئ التعصب الديني والمذهبي بحكايات وقصص تدعم ذلك، في مقابل التسامح وقبول الآخر، فمثلا يذكر مزايا صلح وستفاليا 1648م كأول اتفاق دبلوماسي في العصر الحديث، أرسى نظاماً جديداً في أوروبا الوسطى، مبنياً على الاعتراف بكل الطوائف المسيحية وإقرار مبدأ سيادة الدول القومية كأساس للقانون الدولي، وأبرز نتائجه انتهاء حروب دامت عشرات السنوات، وبدأت دول أوروبا في الظهور بنهضتها المعاصرة. ويخص فولتير ألمانيا، فيقول: «إن ألمانيا ما كانت لتكون اليوم إلا صحراء تغطيها عظام الإنجيليين والبروتستانتيين والكاثوليك واتباع تجديد المعمودية، الذين ذبحوا بعضهم بعضا، لو لم تأت معاهدة وستفاليا نهاية الأمر لتوفر حرية المعتقد، ويوقفنا أمام تمثيل موحٍ «ان الحق في التعصب حق عبثي وهمجي، اذ انه حق النمور، وان فاقه بشاعة، فالنمور لا تمزق بأنيابها إلا لتأكل، أما نحن فقد أفنى بعضنا بعضاً من أجل مقاطع وردت في هذا النص أو ذاك». ويذكر نموذج كارولينا تلك البلاد البعيدة، التي كانت إحدى المستعمرات الانكليزية، ولم تكن قد انضمت للولايات المتحدة وقت تأليف كتابه: «لنتجه الآن بأنظارنا صوب النصف الآخر من الكرة الأرضية إلى كارولينا على وجه الخصوص، تلك الدولة التي كان لوك الحكيم أول من شرع لها. ففي كارولينا يكفي أن يتفق سبعة من أرباب الأسر على إرساء ديانة جديدة حتى يقرها القانون ويعترف بها، ولم تنجم هذه الحرية المطلقة عن أي فوضى، يشهد الله اننا لم نورد هذا المثال كي نحث فرنسا على الاحتذاء به! فما سقناه إلا لكي نثبت أن المغالاة إلى أقصى الحدود في التسامح لم تتسبب في حدوث أدنى انشقاق أو فتنة».
ويذهب فولتير الى ان المبدأ الأعظم لكل القوانين واحد في كل أرجاء المعمورة، ويتلخص في «لا تفعل ما لا ترغب في أن يفعل بك»، ثم راح يثبت تسامح الإغريق والرومان كأهم أسباب حضارتهم.. ليخلص إلى ضرورة التسامح الكوني.
قدم فولتير رؤى وحلولاً ونماذج لوطنه عن حرية العقيدة كلها ملهمة لينفع بها دينه ووطنه.

صالح الغازي
salehelghazy@gmail.com
@salehelghazy

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات