مع انتهاء او انحسار مد «ثورات» الربيع العربي، وما انتهت إليه ثورة 25 يناير في مصر، أصيب «المثقف» في منطقتنا بالحيرة.. هل يؤيّد الديموقراطية ويسير معها، مهما كانت النتائج؟ وماذا لو وصلت جماعات لا تؤمن أصلا بالديموقراطية للحكم، كجماعة الإخوان أو السلف، عن طريق صناديق الانتخاب؟ وماذا سيكون موقف مؤيدي الديموقراطية لو شعروا بأن هذا سيكون آخر عهدهم بالانتخابات الحرة، ولكنهم مجبرون على الانصياع لإرادة الأغلبية؟
هل الأمن ولقمة العيش أهم، أم حرية الإنسان وكرامته أكثر أهمية؟ ماذا عن مستقبل الأجيال القادمة؟
لماذا يفضل البعض، بصدق وبغير غرض، الأنظمة الدكتاتورية ويجدونها أفضل بكثير من حكم الثيوقراط، أو الحكم الديني، كجماعة الإخوان وغيرها؟ لماذا يجد البعض الآخر الخلاص في حكم العسكر، المخابراتي، المهيأ أكثر من غيره للبقاء طويلا، مقارنة بأشكال الحكم الأخرى؟ هل لأن الأول يوفر الأمان وينجز المشاريع بطريقة أسرع، أم لأن في وجوده مصلحة لهم، ويوفر الغطاء لفسادهم؟ لماذا يصعب أو يستحيل أحيانا التخلص من الحكم العسكري، وحتى الحكم الديني، كما هو الحال في دول كثيرة، منها إيران والجزائر؟ هل لأن معارضة مثل هذا الأنظمة تعتبر في حكم معارضة مصلحة الدولة العليا، أو تقارب التعرّض للذات الإلهية التي يمثلها الحكم الديني؟
ولم تقبل الدول العربية والإسلامية وجود أو مشاركة الأحزاب الدينية في الحياة السياسية، أو الديموقراطية، إن وجدت، وهي على يقين بأن هذه الأحزاب لا تعترف أصلا بشيء اسمه وطن، وليس لكلمات مثل الحرية والكرامة والديموقراطية وجود في مفردات قواميسها؟
ولماذا ينادي طرف ثالث بعودة الاستعمار، أو أن يحكمنا طرف ثالث، لأن أوضاعنا كانت أفضل بوجوده، مقارنة بتقاتلنا وتشرذمنا الحالي، وإننا لم «ننضج» بما يكفي، لأن نحكم أنفسنا؟
ولماذا أصبحت حالات التسيّب والإهمال والاستهتار التي أصابت الكثير من الدول العربية، والإسلامية، أمرا شبه مقبول ومسلّم به، مع خفوت أصوات المطالبين بالتغيير، بعد أن رأوا نتائج ما جلبه «التغيير» من خراب على دول عدة؟
ولماذا يتحجّج بعض مؤيّدي النظم الدكتاتورية بأنها الوسيلة الوحيدة التي ستعيد للدولة هيبتها، وتقضي على بؤر التخريب، وتكافح الإرهاب، وتقصي الأحزاب الدينية عن الحكم، وتقوم في الوقت نفسه ببناء الاقتصاد وإصلاح البنية التحية، وإيجاد مصادر دخل جديدة، وخلق وظائف، وإيصال البلاد لمعدلات تنمية لا يمكن الوصول لها بالوسائل الديموقراطية؟ ولماذا يردد معارضو الأنظمة الدكتاتورية مقولة «ليس بالخبز وحده»؟ وكيف من الجميل أن يحقق الوطن معدلات تنمية عالية؟ ولكن لمن؟ أليس للشعب؟ وماذا لو انتهى هذا الشعب لأن يصبح بلا كرامة ولا احترام لنفسه ولا وطنه، بعد كل سنوات الإذلال والمهانة وسحق الكرامة التي اباحت خصوصياته، خلال فترة بناء الدولة، وجعلت منه إنسانا فاقدا لكل ما له علاقة بالأخلاق والإخلاص للوطن؟
يقول صديق إن الديموقراطية هي وسيلة وليست غاية، فالصين تفوّقت بمعدلات النمو على كل الديموقراطيات لأن الحزب الشيوعي فيها آمن بالانضباط الذي نحن في أمسّ الحاجة اليه، وإن حكم العسكر أو الدكتاتورية، هو الطريق للانضباط، فبغيره ستفقد الدولة كل ثرواتها، مهما كان كبيرا غناها وثراؤها الطبيعي والبشري، فنزويلا مثالاً.
ويضيف مؤيدو حكم الفرد ان الديموقراطية هي افضل سبل الحكم، ولكن على الشعوب أن تصل الى مرحلة تكون فيها جاهزة لأن تستحق الحرية وليس قبلها. ويرد آخرون بأن من الصعب رسم خط أو مرحلة يصبح فيها الشعب جاهزا لتقبل الحرية والديموقراطية، بل هي عملية تراكمية. فالشعوب تتعلم من أخطائها. وفي جميع الأحوال يجب الفصل دائما بين الدين والسياسة، وان يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات، وأن تحترم حقوق الأقليات، ثم بعد ذلك يأتي الانضباط، وجدية العمل، والانتاج والتنمية، واحترام القانون وتطبيقه على الجميع، وبعدها فقط تستحق تلك الشعوب الرفاهية والحرية والديموقراطية وتداول السلطة وحرية الرأي.
وإلى أن يأتي ذلك اليوم، فسنستمر في دولة القبلية والطائفية والعائلية والمحسوبية.
ويستمر الجدال!

أحمد الصراف

habibi.enta1@gmail.com
www.kalamanas.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات