هزَّ العمل الإرهابي البَشِع في نيوزيلندا ضمير العالم أجمع، والذي راح ضحيته خمسون من المصلين الأبرياء بالإضافة إلى عشرات الجرحي، نتمنى لهم السلامة.. وذلك ليس لبشاعة الجريمة فقط وإنما لأن مرتكبها كابَرَ ووثّق جريمته ونشرها عبر الشاشات الصغيرة وفي أنحاء العالم أجمع مستعرضاً وقوعها لحظة بلحظة.. لقد جعل سلوكه الشاذ هذا باب النقاش واسعاً حول استخدامات تقنية العصر ومواقعها للتواصل الاجتماعي وحول مسؤولية الجهات المسؤولة عن هذه المواقع.
لا جدال في أن التكنولوجيا وعبر وسائلها المختلفة فتحت نوافذ عديدة للعلماء والمنجزين والمبدعين والعاملين لتطور الإنسانية، ولكنها في الوقت ذاته أوجدت عبر منافذها متنفساً للمنحرفين والأشرار الذين استغلوا التكنولوجيا ومنتجاتها لخدمة أهدافهم وعقولهم المريضة. لقد كانت الشبكة العنكبوتية ملجأ لجيوش الدمار الداعشية التي اجتاحت أوطاننا العربية لتفتك بها وتأتي على كل شيء جميل في العراق وليبيا وسوريـا وغيرها، بعد أن نجحت في تجييش الشباب من أنحاء العالم، كما كانت هذه الشبكة منبراً للمتطرفين لبث أفكارهم، وغسل أدمِغَة شبابنا العربي خاصة، ولتعرض عبر شاشاتها كيفية صنع أدوات القتل والتفجير ولفترات طويلة قبل أن تتصدى الشركات المسؤولة لها وتوقف عرض بضاعتها القاتلة.
بنفس النسق وجد مجرم نيوزيلندا متنفسه عبر اليوتيوب لعرض جريمته البشعة وقبلها لينشر عبر موقعه في الفيسبوك وثيقته التي تقطر عنصرية وتنذر بالشر... بالطبع لم تنتبه الشركات المسؤولة أو لم تأخذها الحميَّة إلا بعد انتشار الوثيقة ووقوع الجريمة وتداول الفيديو ذي المقاطع المؤلمة لبشر يتساقطون.. ولتوقف شبكة اليوتيوب بعد ذلك هذا الفيديو المؤلم وتعتذر بقولها «لقد أدمى الحدث قلوبنا وسنعمل لإزالة أي مقطع عنف من شبكتنا».
أما موقع «الفيسبوك» فقد سحب وثيقة المجرم مع نشر اعتراف بسيط عن غفلته «بأنه من الصعب التفرقة بين خطاب الكراهية والحقد وبين حرية الكلام المشروعة»... لقد تعرضت هذه الشبكات للنقد الكبير من المفكرين والمصلحين والسياسيين، حيث كتب رئيس الوزراء الياباني «من غير المقبول أن تكون شبكة الإنترنت فضاءً غير محكوم»... كما أثار الكثير منهم الأسئلة حول مسؤوليتها قائلين «إن السؤال لا يتعلق بنشر المذبحة فقط عبر الشبكة العنكبوتية بل السؤال الأكبر هو ما تبثه هذه الشبكة أو من خلالها من أمور قبله....»، تلك الأمور التي تنطوي على الكثير من خطابات التحيز والكراهية ومقاطع العنف والقتال والتحريض.
إنها التكنولوجيا التي تخدم عالمي الخير والشر والتي أصبحت في متناول الجميع وأولهم الطفل حتى قبل أن يخطو خطواته الأولى في الدنيا وتصاحبه في مدرسته وغرفة نومه، ولتصبح أداته الأساسية في التواصل مع أقرانه ومجتمعه... يلتصق بجهازه المحمول أو النقّال في كل أوقاته، ويجول في فلكه وعالمه الافتراضي... يدمن على لعبه التي تعج بالقتال والتفجير والعنف... فكم واحد منا نحن أولياء الأمور يحرص على متابعة ما يشاهده أطفاله عبر نوافذهم الإلكترونية... وكم منا يدري عما يستعرضه أبناؤه المراهقون في عالمهم الجديد المفيد والمخيف معاً؟!
نداء ورجاء لكل أم في هذا اليوم (عيد الأم) أن لا تنتظري هدية أبنائك لكِ، بل بادري بأن تكون هديتك لهم هي حُسْنُ التوجيه والمتابعة وعدم الغفلة عما يدور في عالمهم وخاصة الصغار منهم، فالتكنولوجيا قد فتحت لهم عالما ملهما ومُحَفّزا، ولكنه أيضاً عالم مخيف ومقلق إن لم نحسن الاختيار والتوجيه.

جائزة الكويت للمرأة في عيدها:
لأول مرة تنطلق جائزة الكويت للمرأة المتميزة «قدوة» تحت رعاية سامية من صاحب السمو أمير البلاد حفظه الله ورعاه... لقد تم اختيار هذا الشهر وهذا اليوم (21 مارس) لترسل فيه الكويت رسالتها بتكريم المرأة في هذا الشهر الذي احتوى يوم المرأة العالمي ويوم عيد الأم، وللاحتفاء بالمرأة العاملة في قطاعات الدولة المختلفة... احتفالية متميزة لنساء متميزات من الكويت والعالم كل في مجالها... ليُمَثِّلنّ العشرات بل المئات من النساء القادرات والمنجزات في كل موقع، ولهُنَّ الحق في تسليط الضوء على جهودِهِّن في خدمة أوطانهن... بارك الله في جميع الجهود البناءة... والرفعة للكويت وأبنائها وبناتها.

د. موضي عبد العزيز الحمود

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات