الأولى - القبس الدوليالقبس الدوليالورقية - دوليات

إيران قريبة جداً من الركوع الاقتصادي

د. علي حسين باكير – 
في نوفمبر الماضي، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات هي الأكبر في التاريخ ضد إيران وتشمل ٨٥٠ فرداً ومؤسسة وقطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني، ولكنّها اضطّرت أيضاً الى اعطاء بعض الاستثناءات لبعض الدول مقابل تخفيض الكميات المستوردة من نفط إيران، وذلك للحفاظ على الأسعار، ولإقناع هذه الدول بتخفيض تعاملاتها التجارية مع طهران.
وتسعى الولايات المتّحدة حالياً الى تقليص صادرات إيران النفطية بحدود ٢٠٪ الى ما دون المليون برميل يوميا، وذلك من خلال انهاء بعض الاستثناءات التي منحتها لعدد من الدول قبل أشهر قليلة، ومطالبة أخرى بتخفيض وارداتها من النفط الايراني لتجنب عقوبات أميركية جديدة.
ونتيجة لسياسة «الضغط الأقصى»، قوّضت العقوبات بشكل كبير قدرة إيران على تصدير النفط. وبما أنّ صادرات طهران من الذهب الأسود تشكّل نحو ٧٠٪ من عائدات البلاد، فقد ترك الاجراء الأميركي تداعيات كبيرة على الوضع الاقتصادي لإيران. وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، فان الاقتصاد الإيراني سينكمش نتيجة للعقوبات في عام ٢٠١٩ ليصل الى نحو ناقص ٣.٥٪، فيما من المنتظر ان يرتفع التضّخم الى نحو ٣٤٪. وفي ما يلي تداعيات العقوبات وأشهر طرق التفاف إيران عليها:

تداعيات العقوبات
1- تدهور قيمة الريال
مع تشديد العقوبات، يتراجع سعر صرف العملة المحليّة وترتفع بالمقابل نسبة التضخم. علاوة على ذلك، تؤدي العقوبات إلى حرمان إيران من استيراد شريحة واسعة من البضائع من الأسواق الأجنبية، الأمر الذي يؤدي الى حرمان السوق من هذه البضائع. وفي المقابل، يتم في بعض الحالات فرض حظر داخلي على تصدير بعض السلع، وذلك لتفادي انقطاعها او ارتفاع أسعارها. وفي كلتا الحالتين، فانّ الأسعار في ارتفاع دائم، يقابله ارتفاع في معدلات البطالة التي يعتقد بأنّها تخطّت الـ٣٠٪ مع ملايين العاطلين عن العمل.

2- تراجع الاستثمارات الخارجية
أدت العقوبات الى انسحاب كبار المستثمرين الأجانب من السوق الإيرانية، وذلك بالرغم من محاولة الاتحاد الاوروبي تحفيز الشركات الكبرى على متابعة العمل في طهران، ولكن مصالح هذه الشركات مع الولايات المتّحدة أكبر من أي مصالح محتملة مع إيران، الامر الذي دفعها الى الانسحاب مبكراً تفادياً للمخاطرة. ولعلّ من أكبر الشركات التي غادرت إيران بناء على هذا المعطى توتال الفرنسية، وميرسك للشحن، وبيجو للسيارات، وجنرال إليكتريك للإلكترونيات، وهوني ويل للتكنولوجيا، وبوينغ للطائرات، ولوك اويل للنفط، وريلاينس للنفط، ودوفر للتصنيع، وسيمنز، وغيرها من الشركات الكبرى.

3- تأثر القطاعات الاقتصادية
نجم عما تقدّم تأثر عدد كبير من القطاعات الاقتصادية في ايران بالعقوبات، على رأسها صناعة النفط والغاز التي تحتاج الى حجم هائل من الاستثمارات عادة لمنع تدهورها، ولذلك فان غياب هذه الاستثمارات أصاب القطاع بضرر بالغ فضلاً عن قطاعات أخرى، من بينها على سبيل المثال لا الحصر القطاع الصناعي، قطاع السيارات، قطاع الشحن وإعادة الشحن، قطاع الطائرات، قطاع سكك الحديد، قطاع السياحة، قطاع الصيدلة، وقطاع البنوك… الخ.

4- تراجع دعم أذرعها
اعترف حزب الله أخيراً، وهو واحدة من اهم أذرع ايران في المنطقة، بأنّه يعاني من ضائقة مالية، وبما انّ ايران هي المموّل الأكبر لمتطلبات الحزب المالية، فهذا يعني بالضرورة انّ المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها طهران قد انتقلت بالتبعية الى اتباع نظام الولي الفقيه في لبنان أيضاً كما هو الحال الى بقية أذرع ايران في البلدان الأخرى.

أشهر طرق الالتفاف عليها
1- تهريب النفط
يتم من خلال تغيير أسماء الناقلات و/او استخدام ناقلات مسجّلة في بلدان أخرى و/أو تفريغ الحمولات في عرض البحر في ناقلات أخرى، بالإضافة الى إغلاق جهاز التتبّع الذي يتيح مراقبة الناقلة عادة، الى جانب وسائل أخرى من بينها بيع النفط من خلال بورصة إيران الى شركات خاصة او عملاء يقومون بتسويقه أو بيعه مباشرة لأطراف ثالثة مع مشاكل أقل من تلك التي تعاني منها ايران.

2- إنشاء شركات وهمية
لطالما اعتمدت إيران على شركات وهميّة او شركات مسجّلة بأسماء أطراف ثالثة في مناطق مختلفة من العالم، لا سيما في المناطق التجارية الرئيسية، مثل هونغ كونغ وبيروت وألمانيا، أو في مناطق غير حساسة مثل ليشنيشتاين، وذلك للالتفاف على العقوبات، سواء في ما يتعلّق بقطاع المال أو في ما يتعلّق باستيراد الأجهزة الحساسة والمحظورة أو في توفير السلع والبضائع المقطوعة من الأسواق.

3- العملات المحلية أو الذهب
للتخفيف من آثار العقوبات، تلجأ طهران بشكل متزايد الى عقد اتفاقيات للتبادل التجاري بالعملات المحليّة. خلال السنوات القليلة الماضية سعت طهران الى التأكيد على ان تشمل هذه الآلية دول مثل روسيا والصين وتركيا، كما اعتمدت على الذهب لاستيفاء مبيعاتها من الغاز والنفط وغيرها من السلع الأساسية، ولكن ادراج الذهب على قائمة العقوبات الاميركية هذه المرة سيحرمها من مثل هذا الخيار.

4- الاعتماد على دول أخرى
تسعى إيران الى رفع حجم التبادل التجاري مع الدول المحيطة بها (تركيا وروسيا) او المحسوبة عليها (العراق وسوريا ولبنان)، وذلك على اعتبار انّه سيكون من الصعب جداً على واشنطن أن تعرقل مثل هذه التجارة أو تراقبها بشكل كامل، وهو ما يتيح لإيران ما يكفي من الثغرات للتخفيف من آثار العقوبات أو الالتفاف عليها. الاتفاقات التي عقدت أخيراً مع سوريا والعراق بالتحديد ستفتح مجالاً واسعاً لطهران للتهرّب من العقوبات.

5- آلية إنستكس
وضعها الاتحاد الأوروبي لتمكين إيران من اجراء التبادلات التجارية مع دول الاتحاد من غير الحاجة الى الاعتماد المباشر على آلية التحويلات المالية، وذلك بهدف تجاوز العوائق التي يفرضها النظام المالي الأميركي على المصارف والمؤسسات الاوروبية والإيرانية على حد سواء.
لكن الى أي مدى تستطيع ان تستمر إيران في الاعتماد على وسائل أصبحت الإدارة الأميركية على دراية بها وأكثر قدرة على عرقلتها؟ وهل سيكون بإمكان طهران مواجهة الضغط الأميركي القادم، لا سيما مع تدهور وضعها الداخلي؟ ستكون المرحلة المقبلة صعبة للطرفين، ولكنّ الأكيد أنّ واشنطن لن تقوم بالتراجع او تخفيف العقوبات الا اذا وافقت طهران على الأقل على الجلوس الى مائدة المفاوضات.

 

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

الصندوق الأسود

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock