الديوانية

الورقية - مقالاتكتاب وآراءمقالات

العفوية أم المظاهر الخادعة؟

في حقبة الستينات من القرن الماضي كان أهل الكويت يمتازون بالتلقائية والعفوية الصادقة، فتجدهم واضحين في آرائهم وتعابيرهم لا يداخلها التكلف ولا المجاملة، الناس كما يقال كانوا يعيشون على سجيتهم، حتى تواصلهم الاجتماعي كان نبيلا ولأسباب ودية كاملة، تزاورهم كان مظهرا يطغى على حياتهم، علاقاتهم، أحاديثهم، مظاهرهم، ملابسهم، مشاعرهم، كانت جميعها طبيعية وتلقائية، ولم تكن لديهم عقد ومظاهر مرضية في سلوكهم ولا مشاعرهم تجاه بعضهم، كان التسامح مظهرا بارزا في تعاملهم في كل الشؤون، والتواضع خلق تلمسه في الكبير قبل الصغير، في ذلك المجتمع نشأت وفي معيته ترعرعت أنا وجيلي وأجيال سبقتنا، ومن نبل أخلاقه وسلوكياته شخصيا تغذيت، وكانت تلك بالنسبة لي مدرسة وثقافة، منها تخرجت وبادابها تزودت.
منذ ذلك الوقت وحتى اليوم مضى ما يزيد على خمسين سنة عايشت شخصيا فيها تغييرات كبيرة مريعة ومخيفة ومحزنة لما آلت إليه أحوال أبناء بلدي، فقد صار الناس غير الناس، فقد تراجعت الكثير من قيم التواصل وحسن الظن وتمني الخير، وحل مكانها الحسد والتصنع والتكلف في العلاقات الاجتماعية وتراجعت نوازع الحماسة والغيرة الوطنية وصارت المصلحة رائد معظم الناس في التعاطي مع القضايا الوطنية، وصار التسلق على الوطن وإهدار مصالحه لمكاسب شخصية وحلب المواطنة ديدن كثير من الناس، ومع دخول فئة جديدة من المواطنين زادت مظاهر السلوك الانتهازي في مجالات عديدة، وقد ساعد غياب الردع الإداري والاجتماعي في تفاقم مظاهر التحلل من طائفة من القيم النبيلة، بل برزت حالة الصراع واختلاق الخلافات وتزايد التفكك والشراسة في محيط العائلة الواحدة، حتى بلغ الأمر أن تجاسر بعض الأبناء على والديهم برفع قضايا مدنية وجنائية أيضا، وأغرق المجتمع في دوامة الماديات، وطفت للسطح المظاهر الخادعة التي يحاول البعض أن يظهروا أنفسهم بها وهم خواء من كل قيمة حقيقية تستحق التقدير.
ولو حاولنا أن نستوعب الصورة بشكل أوسع لفهمنا مكمن تبدد السعادة العفوية، وإدراكنا أن تظاهر الناس بالسعادة، وهو حقيقة طيبة، هو سلوك يحاول أن يتجمل فيه الناس، الأبناء مع الاباء والأزواج مع بعضهم بعضا والأقرباء بصلاتهم، لكن بتظاهر لا حياة ولا روح فيه، فقد عاش الكثيرون الشتات وفقدوا عفويتهم، ولكن الروح الإيجابية التي تدب في جيل الشباب الواعد اليوم ورغبته في التصحيح وطاقته الإيجابية تعطينا مؤشرات أننا عائدون لتجديد قيم وغرس مظاهر الإيجابية لمجتمعنا الأصيل ومعدنه الطيب والحفاظ على منظومة قيمه الطيبة، بعيدا عن المظاهر الخادعة التي تتنافى والعفوية والتلقائية لأهل الكويت.

أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
@al_moqatei

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

الصندوق الأسود

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock