لم تكن احتفالية سمو الأمير بلقائه مع ممثلي العطاء والسخاء الخيري من أبناء الكويت البررة شيئاً روتينياً ينقضي لمعانه مع مرور الزمن، كانت مبادرة أميرية نحو من تشبع بالمعاني السامية التي تبشر بها الأديان وتجاه من دفعته مشاعره بالتعاطف مع نداء العوز لمن يستحق من البشر، متعالياً على الهويات ومتجاوزاً الحدود، ومتواصلاً مع مواقع جغرافية ممتدة في أفريقيا وفي آسيا وغيرها، وكلها تتعافى من هذا السخاء الذي يفرج عن هموم ويشفي من أمراض ويسد حاجة ملحة تعيد الايمان بالوجود لمن كان يتصور أن الدنيا أغلقت أبوابها في وجهه.
هذه كوكبة أعرف معظم أفرادها، سمعتها تتوهج ولوحتها ناصعة، وشموخها مستحق، فلا تبحث عن تلميع فليست بحاجة الى تعطير ينثر على اسمها.
نبع هذا التكريم من قناعة أميرية بأن هيئات الخير التي تتسع داخل الكويت هي عنصر معاضدة في سجل الكويت الانساني وفي بريقها الدبلوماسي وفي مقامها السياسي، وهي في توجّهاتها تلتقي مع ما يرمز إليه سمو الأمير في الفضاء العالمي، ومن الطبيعي أن يرتفع الاعتزاز بهؤلاء المواطنين الذين منّ الله عليهم بنزعة الخير وإشراك المحتاج بما كسبت أيديهم.
وأكيد أن هناك آخرين سيلتحقون بموكب التكريم والتقدير مع هذه الندرة التي ترفع سمعة الشعوب في سلم التقدير العالمي، مع ثقة بزيادة الاعداد من خريجي مدارس الخير والبركة الكويتية.
وتعبيراً عن احتضان الدولة للمواهب الواعدة ورعايتها وتسهيل الطريق لتفوقها، بادر سمو الأمير بقراره الحكيم بإنشاء مركز الكويت للابتكار الوطني، ليكون قاعدة الابتكار والاختراع وتحويل الحصيلة إلى مشاريع اقتصادية تساهم في مسيرة التنمية في إطار الرؤية المستقبلية الوطنية.
كانت رحابة سمو الأمير في لقائه مع المكرمين من المتفوقين عنواناً على إيمان سموه بدور رجاحة العقل وحسن التفكير في الحصاد العلمي، وفي نمو الابداع وقناعته بأن العلم هو الرافعة الحقيقية للنهضة والتطور والرقي، ومع التهاني للمتفوقين نثمّن الفكر المستنير الذي تتميز به قيادة سمو الأمير.
ومع سعادتي من هذا الحدث، أكتب عن قرار الاحلال في التعليم وفي الصحة، وأجد في هذين المسارين ضرورة التأكيد على كفاءة البديل الكويتي، وعلى قدرته وعلى قناعه بأنه مستحق، فلا يمكن أن يأتي ليدرس أبناء الكويت من حصل على آلية الوساطة والتدخّل النيابي أو غيره..
ترتفع الأمم بجودة التعليم فيها، ويبدع مواطنوها في مناخ يخترق الجمود فتنهض الشعوب بقدرة أبنائها على توظيف العقل وتنمية البحث وحب التقصّي، مع نزعة الفضول في المتابعة وفي إحراز الدقة.
من تجربتي وجدت التعليم أصعب الوظائف التي يقوم بها الانسان، فلا وقت للمعلم للاسترخاء، فالاستحقاق في النجاح يشترط التواصل في البحث عن المعرفة، وفوق ذلك تتطلب مهمة المعلم الاعداد الجيد، ومن تجربتي القصيرة، وجدت الاعداد للدرس من أغلظ الواجبات، فالتدريس فن نقل المعلومة، وإدارتها بالتشويق وبخلق المودة بين الطالب والمادة، ومن أصعب المهمات هي العثور على هذه المودة، فمعظم المواد مملة تفتقر الى الجاذبية.
وأتصوّر أن حياة الانسان تتعافى مع الطبيب القادر فلا توجد راحة في حياة الطبيب، الذي يتم استدعاؤه في أي وقت، وفي أي مكان، أحياناً في الفضاء في طائرة ركاب، يمرض فيها واحد منهم، وأحياناً في قطار لعلاج من أصابه مرض مفاجئ.
وأعود إلى تجربتي القصيرة، فقد كنت أعطي درجة نجاح للمجتهد الذي أشعر بأنه قادر على النجاح إذا ما استمع للنصح، ولم أكن وحيداً في هذه الممارسة، فهذه قاعدة فيها مرونة يمارسها المعلم وفق تقديره.
أنا مع الاحلال في التعليم والصحة، عندما يتوافر المواطن البديل، وعندي يقين بحماسة أبناء الوطن إذا ما توافر التأهيل المناسب، لكنني أخاف من الاستعجال في مسار التعليم والصحة، وتحاشياً للارتباك، ومنعاً للقرار المضطرب، فلا مفر من وجود معاهد التدريب التعليمية التي تؤهل من يريد الالتحاق بمهمة التدريس، وهي من أصعب المهام في هذه الحياة، مع وضع خطة مستقبلية لإعداد الكوادر المطلوبة من المدرسين.
التعليم مشكلة تحدٍّ لكل مجتمع، ففي كل خطط التنمية في جميع دول العالم، يحتكر التعليم اهتماماً فريداً في مداولات السياسة، فتتبارى الجامعات في الاستحواذ على أكبر عدد من الطلبة عبر طرح شعارها في التفوق، ونعرف تصنيف الجامعات في كل بلد، فالاحصائيات تميز بين الجامعات في المستوى وفي الشروط وفي التكلفة، ونقرأ عن رؤساء الولايات المتحدة وعن المسؤولين في بريطانيا يتفاخرون بشهادات من جامعات مميزة، كما نقرأ عن رؤساء مثل الرئيسين الأميركيين نيكسون وترامب، وهما يسخران من خريجي الجامعات المشهورة، ومن هنا يأتي التفوّق العلمي، فلا يتأخّر خريجو الجامعات المعروفة في شق طريق الحياة، بينما يظل الآخرون في صراع الحياة بحثاً عن مكان ملائم.
نلاحظ في السجل الأخير حول تصنيف الجامعات العالمية أن موقع جامعة الكويت متأخّر جدّاً في سلم التفوق، وسألت بعض الأساتذة في جامعة الكويت، فكان الرد بأن الجامعة تستوعب 15 ألفاً، وفيها الآن أربعون ألف طالب، بالاضافة إلى واقع الدولة الرعوية، فغريزة المنافسة نحو التفوّق تظل ضعيفة في ضوء الأمن الوظيفي لكل خريج.
ستتواصل الحاجة إلى مدرسين أو أطباء من خارج الكويت لفترة طويلة، ولا يهمنا العدد المتوافر، وإنما نوعية هذا المتوافر، ومن هنا فالحكمة تدعو الى التريث، بحثاً عن البديل المؤهل.

عبدالله بشارة

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات