الورقية - كتاب وآراءكتاب وآراءمقالات

الإخلاص من الحيوان والغدر من الإنسان

«ماكنا» منطقة ريفية سياحية صغيرة تقع بالقرب من مدينة «جوبا» عاصمة جمهورية جنوب السودان الحالية، تشتهر هذه المنطقة بكثافة الغابات وتكثر فيها الحيوانات البرية والأمطار والمراعي التي لا تنقطع عنها طوال السنة، ولهذا السبب يؤمُّها الصيادون في كل فصول السنة.
غابات هذه المنطقة كثيفة يصعب اختراقها من دون أن يكون مع الصياد مرافق أو مرشد يرشده إلى المسالك والتوغل داخل الغابات التي تكثر فيها الحيوانات المتوحشة، كالأسود والنمور والأفاعي والثعالب والذئاب، ولذا ونتيجة لهذه الأوضاع السائدة في تلك الغابات، فقد أعدت وزارة الغابات جنوب السودان مجموعة من رجال الإرشاد المختصين ذوي الخبرة الكافية في معرفة طرق ومسالك الغابات.
يوجد في هذه الغابات الكثيفة بأشجارها نوع من حيوان الغزال الذي يشبه إلى حد كبير «الوعل»، وهو فصيلة من فصائل الغزلان، إلا أن هذا الحيوان يختلف عن حيوان الوعل بكبر حجمه الذي يقارب حجم حيوان البقر.
ومعظم المعارك التي تنشب بين أفراد الفصيلة من الذكور تقام عادة بدافع الغيرة على الأنثى من الذكر، إذ إن هذا الحيوان يملك في نفسه كمية كبيرة من مشاعر الغيرة والمحبة لزوجته، وهو بذلك لا يسمح لأي ذكر من فصيلته التقرب إليها أو محاولة مغازلتها، وهذا الحيوان لا يفارق أنثاه التي اقترن بها طوال فترة الحمل والولادة، وفي مرحلة رعاية الصغار من فترة الرضاعة إلى أن يشتد عودها، الأمر الذي يمكنها من الاعتماد على النفس بعد ذلك.
الصيادون على علم بعادات هذا الحيوان، وكم هو مخلص، الزوج لزوجته والزوجة لزوجها ذلك الشعور من الإخلاص الصادق الذي يؤدي بأحدهما إلى الهلاك على يد الصيادين الذين لا يرحمون، ولذا فإنه إذا ما قتل أو أصيب الزوج أو الزوجة من هذه الحيوانات بفعل الصيادين، يفر القطيع إلى جهات أخرى تلافياً لسهام الصيادين، في المكان الذي يركن إليه القطيع، فإذا الزوجة أو الزوج بعد تجمع القطيع هرباً من بنادق الصيادين لم تجد أو لم يجد زوجته في ذلك المكان يعود أحدهما إلى مكان التجمع الأول الذي حصل فيه الضرب، الصيادون في هذه اللحظة يكونون في حالة تأهب لأنهم يعرفون أن أحد الحيوانات هذه سيعود إلى هذا المكان، سواء كان الزوج أو الزوجة، ليطلقوا عليهما سلاحاً ويقضوا على الاثنين معاً. هذا هو الوفاء من الحيوان وعدم الرحمة والغدر من الإنسان، ولكن ليس لنا إلا أن نقول قوله عز وجل «ولا تحرموا ما أحل الله لكم».
علمت في الآونة الأخيرة أن حكومة جنوب السودان أصدرت قراراً بمنع صيد هذا الحيوان في فترة الحمل والولادة والتزاوج. وهذا لعمري إجراء سليم.

محمد سالم البلهان*

* سفير سابق

 

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

الصندوق الأسود

مقالات ذات صلة

إغلاق