الورقية - كتاب وآراءكتاب وآراءمقالات

حالة خاصة

قلت:
يوم ســــولف الوقت عنـــا قال:
كلٍّ في طريقه يمشي مستــــور
صغير بدا وحزنه كبيــر شــــال
يوم صــفا بأعمارنــا ومقـــدور

لما تكون أنت حالة خاصة في تفكيرك، في طموحاتك وآمالك، في طريقة معيشتك، في نظرتك للحياة، في قربك من الآخرين والبعد عنهم، والرغبة الملحة في الانفراد والعزلة.. فأنت حالة خاصة، يجب أن تدرسها أنت قبل أن ينظر إليها الغير كحالة خاصة، فيسابق أحدكما الآخر في وصفها وفي الولوج إلى كنهها، لعله يصفها بصحيح وصفها ودقيق تفاصيلها بأنها «حالة خاصة».
كثيراً ما يتصوّر الإنسان في حاله وأحواله أنه حالة خاصة، فينزوي عن الآخرين، ويدخل دائرته المغلقة، فيسرح خيالاً، ويظل يبحث في أصل ما يشغله ذهناً، وما قد يؤلمه حساً، فيقلب الماضي البعيد، والأقرب، ثم الأقرب، إلى أن يصل إلى الحاضر القريب، فيُلقي باللائمة على هذا وهذه، ويعزم على قطع الوصال، وقد يتخذ قراراً في التنكيل والصد وسوء مآل، في حين يقرب هذا وهذه، وصلاً وألفة، ويستحسن الأقوال والأفعال، ويتخذ قراراً جازماً في بذل النوال لمن أخلص فأنصف، وأبان وأوصف.
ومن أحبّ وكابد حبّاً، وعشق صبّاً، فغالباً ما يتصوّر نفسه حالة خاصة في حبه وبذل أشواقه، وقد يصرّح لمن أحب بأن حبه وعشقه وهيامه له حالة خاصة عزَّ نظيرها بين المحبين. فيدخل نفسه في دائرة خاصة، يحاول من خلالها جذب من أحبه للدخول فيها ليقاسمه تباريح الشوق، ودموع الشوق، ومباهج الحب. وأحياناً يكتشف حقيقة كانت عنه مغيبة، لا يُسر بها، فمن تصوره أنه قد أحاطه بدائرته وخاصته، أنه لا يدخلها كلياً، بل يشاطره في بعض تفاصيلها، ويحجم عن بعضها الآخر، فيعرف مدى القرب والبعد.
إن تحديد العلاقات بين البشر هو غاية في الأهمية حتى لا يدخل الإنسان نفسه في دائرة خاصة، يعيش فيها كحالة خاصة متوهمة، فكم من أناس أدخلناهم توهّماً في دوائرنا الخاصة، وتبيّن لنا بعد وقوفهم على أبوابها، أو دخولهم لردهاتها أنهم ليسوا من أهل المقامة، بل ضيوفاً عابرين إن دخلوا خرجوا، وإن خروجهم من دون أوبة.
حالة خاصة نعيشها نحن البشر في فترات أعمارنا، وأحياناً نستمر نعايشها فترات طويلة نشعر فيها بأننا بحاجة ماسة الى الانكفاء دواخل ذواتنا، فنميل إلى حب العزلة عن الناس، والرغبة في التأمل وتعشق الطبيعة في جمالها، والهروب إلى بساطة الحياة وترك ما يسبب لنا صخباً وجلبة من أفراد الناس وجماعاتهم، ومن الأشياء التي تخلق لنا إشغالاً فكرياً لا طائل منه؛ لذا فإن نتوق أن نسم أنفسنا بأننا حالة خاصة تحتاج إلى ما لا يحتاج الغير من الراحة والدعة وسكون النفس.

د. سعود محمد العصفور
dr.al.asfour@hotmail.co.uk

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

الصندوق الأسود

مقالات ذات صلة

  • إعلان كوالتي نت
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock