الورقية - كتاب وآراءكتاب وآراءمقالات

الحفاظ على الموازين

من يتمعّن في آيات القرآن الكريم يدرك عظمة الله جل شأنه؛ ففي القرآن من الإعجاز والبيان ما لا يمكن تعقبه ولا حصره، بل تقف أمامه كل عقول البشر ذهولاً وقصوراً، إذ انه كلما تمعّن فيه إنسان وجد معاني وأحكاماً وعِبراً لم يدركها عقل بشر قبله، وتلك سمة الكمال ودلائله «كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ».. ومن مظاهر الإعجاز الرباني أنه جعل لكل شيء ميزانه سواء كائناً حيّاً كان أو جماداً، لأنه من دون هذا الميزان تختل الأمور. ومن هذا الأساس الرفيع صار للإنسان في تعامله مع ربه ميزان يحسب به قربه أو بعده من الله تبارك وتعالى، وبمثل هذا الميزان يتعرّف الإنسان على ضوابط علاقته بغيره من الناس وإن كان منصفاً لهم أو منتقصاً منهم، وبمثل هذا الميزان يستوعب المرء العلاقات بين الحق والباطل، وانطلاقاً من هذا الميزان يرتب الشخص علاقاته العائلية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحياتية، وعلى هدي هذا الميزان ترسى العدالة، وأي خلل فيها فإن آثاره سلبية وربما وخيمة عليه. وذلك الميزان هو جوهر ومحور علاقات الدول بعضها ببعض. ويغدو مثل هذا الميزان أكثر أهمية وإلحاحاً في شؤون الدول الداخلية وعلى وجه الخصوص في علاقة سلطات الدولة بشعوبها.
ويبدو أننا بالكويت من الدول التي نحتاج وبصورة واضحة إلى التأكيد على حيوية هذا الميزان لوطننا الغالي، هذا الوطن الذي أسسه آباؤنا وأجدادنا بصورة بارعة، فذلك الميزان كان دائماً وأبداً نصب أعينهم، فورثونا وطناً أُقيم على أساس ميزان تعادل كفتي الحاكم والمحكوم بتوافق ورضائية يوم ميلاد الدولة وعبر حقبها الزمنية المتعاقبة، وميزان أن حب الأسرة الحاكمة بولاء هو جزء من صون مكانة الإنسان في بناء دولة عصرية بمؤسسات تكرّس للحاكم مكانته وسلطاته وتفسح للشعب مشاركة راسخة في تولي شؤون الدولة وإدارتها بصلاحيات منضبطة من دون تفريط أو إفراط بكفة ذلك الميزان، ميزان أقام دستوراً أنشأ سلطات وحدد أدواراً لا ينبغي لأي منها أن يطغى على الآخر أو يحيد، منبعه نظام أميري وديموقراطية سيادتها شعبية. لذلك، علينا أن ندرك أن ميزان حياة الدولة يحفظ لها وحدتها ومنعتها وقدرتها على النجاح والتنمية وتحقيق الأمن والعدل والاستقرار. أما إن تم اختلال أي كفة بالميزان، فيقف حال الدولة ويسودها الاختلاف والتنازع الذي يورث بعد ذلك ضعفاً مزمناً بالدولة ربما لا تتمكن من الخروج من دوامته.
اللهم أدم لكويتنا توازنها الفريد، وأدم عليها نعمتي الأمن والأمان.

أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
@al_moqatei

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

الصندوق الأسود

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock