بعد السلام

الورقية - كتاب وآراءكتاب وآراءمقالات

فارس العمل الخيري.. أحمد عبدالعزيز الفلاح

نشأ منذ نعومة أظفاره على حب عمل الخير في العاشرة من عمره، يزود بعض الحجاج عابري السبيل من إقليم السند في بلاد الهند بثلاث وجبات يومياً حتى يغادروا إلى الحج، تنفيذاً لتعليمات جدته الفاضلة شريفة الفلاح، فتشرَّب العمل الخيري ومارسه وأحبه حتى كان سجيته الطبيعية بلا تكلف، فكان فيه – وبلا مبالغة في الوصف – كريماً جواداً شهماً محباً للخير لغيره شاعراً بالمسؤولية تجاه الآخرين من حوله وفي كل بقاع الأرض، حاملاً هم الأمة الإسلامية، داعماً لما استطاع من مشاريع، غيوراً على الدين وأهله، مدافعاً عنهم، راعياً لمصالحهم وحاجاتهم.
كان مقداماً مبادراً في دعم المشاريع الخيرية ومتابعة تنفيذها. وكان مهاب الشخصية، لكنه ودود لا يجرح أحداً، هادئ الطباع لا يغضب إلا للحق، وبالمقابل كان – رحمه الله – مرهف الإحساس بكّاءً تخنقه العبرة حين يمر بلفتة إنسانية في خطبه المنبرية أو أحاديثه الإذاعية أو مجالسه الإيمانية والاجتماعية، وقوراً ذا رأي راجح يرجع إليه محبوه ومعارفه ويقصدونه في بيته في حل مشكلاتهم وصعابهم، فلا يخرجون إلا منشرحي الصدور، وقد استضافهم في بيته على مائدة فطور صيام الإثنين لأكثر من ثلاثة عقود حتى يوم الإثنين الأخير قبل وفاته وهو يؤثر دائماً أن يستقبلهم ويستضيفهم وهو على الكرسي المتحرك ثم وهو على فراشه.
فقد أبى أن يغلق بابه رغم ظروف مرضه الذي صبر عليه. وفي المقابل، حرص إخوانه على التواصل معه في فطور الإثنين وديوان الأربعاء العامر الذي لم يقف عن الاستقبال عنه حتى الأربعاء ليلة وفاته رحمه الله.
وكان خلال مسيرته الدعوية نائب الأمين العام لـ«الرحمة العالمية»، ورئيس وقفية نصرة الحبيب – صلى الله عليه وسلم – ومؤسس لجنة المناصرة الخيرية، فضلاً عن كونه عضو مجلس إدارة جمعية الإصلاح الاجتماعي منذ عام 1991 إلى عام 2010 م.
كان – رحمه الله – في صمته حكمة، فيترقب أهله ومحبوه حديثه، فإن تحدث كان إيجابياً جداً على الجميع، مفيداً من حوله برجحان رأيه، وقد كان يتناول تفاصيل ما يعرف من أخبار العمل الخيري وبكامل الإيجابية، وكم كانت سعادته كبيرة حين يجمع أهله من حوله من عائلته أو عائلة أنسابه الكريمتين سواء في بيته أو ما يرتب لهم من رحلات.
وقد كان بيته – بلا مبالغة – قِبلة للوفود الخيرية إلى الكويت، وللدروس الدينية والأمسيات الرمضانية الإيمانية وتبريكات الأعياد والمناسبات الاجتماعية، وكأن البيت سبيل خيري ومرفق عام لكل المناسبات الجميلة، فقد كان بيته باختصار: «منبراً ثقافياً واجتماعياً ودينياً».
وعندما ثقلت حركته منذ سنوات تعاونت معه إذاعة الكويت مشكورة بأن أحضرت له جهاز التسجيل عنده في البيت ليقوم بتسجيل حلقاته الإذاعية المفيدة الجميلة.
وقد كان خطيباً جاداً يحترم المصلين بالتحضير الجيد لخطبته لهم، وكم شهدت خطبته وشهدت ذلك بنفسي، وكم كان يفزع لمن يطلبون منه الشفاعات الحسنة حتى انهم يظنون أنها له وليست لهم.
كما كان متفاعلاً مع كل فكرة إيجابية أبسطها إنشاء جمعية ملتقى الكويت الخيري التي بدأت فكرتها من الفعاليات الأولى التي بدأت في بيته، وهكذا كانت لديه الرؤية الانفتاحية لاستشراف آفاق العمل الخيري ودعمه، فكم شهدت له الكثير من المراكز الإسلامية في تأسيسها مثل المركز الإسلامي في امستردام في (هولندا) ومسجد فاطمة بوقمبر في شيفيلد (المملكة المتحدة)، والكنائس التي ساهم في شرائها لتحويلها إلى مساجد، وغيرها الكثير فضلاً عن المساجد ودور الأيتام والمدارس وغيرها من المشروعات الخيرية الحيوية، وهذا يعكس الثقة الكبيرة التي نالها من جموع المتبرعين الكويتيين.
الحديث عنه – رحمه الله – يطول، لكن المساحة محدودة في هذا المقال، لعل الفرصة تتاح للحديث عنه في مواضع أخرى من حياته الطيبة.
ولعل الرؤى الجميلة التي رآه فيها من حوله ليلة وغداة وفاته تبشر بكل خير.
وقد كان يحرص على الخبيئة التي لا يعلم بها أحد سواه، وقد عرفت أن أحد أقربائه عاد بعد العزاء ليدعو له بمزيد من الدعاء لأنه كان مشغولاً بتلقي العزاء فيه، فإذا برجل كبير وافد جلس إلى قبره على كرسي أحضره معه، وهو يدعو له ويخاطبه: «لن أنسى أفضالك ما حييت يا بويوسف».
وما كان لذلك الأداء الدعوي والخيري ليصير لولا البيئة الجميلة التي كان فيها والتي تعكس الاستقرار الاجتماعي والدعم الأسري الجميل من أهله الكرام عامةً، وزوجته وذريته الكريمة خاصةً.
وهنا كلمتا شكر وتقدير كبيرتان لجبل التضحية والعطاء المتمثل في زوجته الوفية «أم يوسف» التي أحسبها بحُسن الظن بربي سبحانه شريكته في الأجر وصناعة النجاح.

د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي
www.ajkharafi.com

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

الصندوق الأسود

مقالات ذات صلة

إغلاق