قُلْتُ:
من باعنا بالجفا شـــريناه بالود
لا تقول شلون دام تحسـبه خل
جبر القلوب الوافيــة ما له حد
طبع ورثناه بنفوس وما لنا حل
صنع الفرح في القلوب دأب الصالحين من البشر، ينشرون البشر والبهجة أينما حلوا بأخلاقهم وطبائعهم وحسن أفعالهم، فالابتسامة تبهج وجوههم وتتضح على قسماتها معبرة عن القرب والمحبة وأجمل المشاعر النبيلة التي عز بذلها عند غيرهم.
الإتيان من المبهج في الحديث يحتاج نفساً مطمئنة واعية لما تصنع، تعرف تكييف الأحداث والظروف، وتركن إلى العزيز الكريم في كل تقلبات الحياة ومسالكها، فتستوعبها في دقائق تفاصيلها، وتقفز على أحزانها وأتراحها فتحيلها قبولاً ورضاً، وتنشر الفرح في نفوس من بقربها.
صناع الفرح طبعهم أبداً التفاؤل لا ينفك عنهم رباطه، ولا تخفى عليهم رسومه، ففيه جمال الأمل ورجاء رغيد العيش في كل الأحوال، لا يصدهم عنه ضيق معيشة، ولا اعتلال صحة، ولا ظهور منغص، ذاك كله يمكن التواؤم معه طالما جَمُلَت الروح، وزكت النفس، وقنعت أن في الدعاء والرجاء طرائق الوصول إلى من بيده حسن التدبير ومآل المصير.
الفرح يصنعه الأذكياء من البشر، فهم يتلمسون مواطنه في من حولهم، ويظهرونه في ثوب قشيب، يحاولون جهدهم تثميره وسقيه بماء المكرمات من قول أو فعل، فكم من سقيم فرح بحسن أحواله لزائر هتف بأحب الأسماء إليه، أو ذكَّره بما يبهجه من مواقف وأحوال مرَّت عليه في سالف أيامه وكان فيها من المحزونين، فبث فيه الأمل للوصول إليها مجدداً.
يصنع الفرح من جعلوا من بساطة الأشياء قناعة وروعة بحسن تدبيرهم، فكم من مبهج ظهرت محاسنه ببساطة إبرازه وإعادة ترتيبه ليحقق المراد، وكان قبلها مبتذلاً لا حراك فيه ولا مسرَة. وكم من قبيح تمت إزالته من موضعه، فأضحى المكان أكثر جمالاً ورونقاً.
الفرح يصنعه من يحب الخير للآخرين كما يحبه لنفسه، لذا فهو يقدم كل الجميل لهم وكأنه لنفسه، فلا تشعر بتكلفه تصنعاً ولا غاية، يبذل في سخاء نفس، ولا ينتظر جزاء ولا منَّة. ولا يذكر قبائح الناس مشابهة لحسن فعله وجمال تدبيره، لأنه يعلم أن في ذلك إظهار المنَّة وبيان الفضل على الغير.
صناعة الفرح أجمل صناعة، تألفها النفس الطيبة الأبية، وتطمح إلى حسن صنعها ممن بذلوا أقصى ما عندهم من جميل الأقوال والأفعال، وصدَّروها بضاعة مزجاة لمن عرفوا ومن لم يعرفوا، فحازوا المديح في مكامنه ومواطنه، وحَسُنت سيرهم في حياتهم وبعد مماتهم ذكراً وطيباً.

د. سعود محمد العصفور
dr.al.asfour@hotmail.co.uk

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات