الورقية - مقالاتكتاب وآراءمقالات

قصة من لبنان الستينات

في الستينات، عندما كنت أتولى مسؤولية إدارة الشؤون القنصلية في سفارتنا ببيروت، حضر إلى السفارة ربان إحدى السفن الكويتية من ناقلات البترول، بدعوى أن باخرته قد حجزت في ميناء طرابلس، شمالي لبنان، لأسباب يجهلها، وقد منع من مغادرة الميناء بقرار قضائي كما قال. لهذا جاء إلى السفارة لحل هذا الإشكال في أقرب وقت ممكن مع السلطات اللبنانية الشقيقة، خصوصاً أن للباخرة التزامات ومواعيد دولية يجب تنفيذها في موانئ دول أخرى.
وبحسب مسؤوليتي الوظيفية نقلت شكوى ربان السفينة الكويتية إلى السيد مدير ميناء طرابلس، وفقاً لموعد مسبق أعد للقاء بسيادته، وقد تم بمكتبه في المدينة.
استقبلني الرجل والمجموعة التي كانت معي من الزملاء استقبالاً أخوياً حاراً يتوافق والأخلاق الكريمة العالية التي يتمتع بها الإنسان اللبناني النبيل. وبعد أداء ما يجب من المجاملات عرضت على سيادته فحوى شكوى ربان السفينة الكويتية، طالباً منه التكرم بالعمل على فك الحصار عن السفينة المحتجزة والسماح لها بمغادرة ميناء طرابلس، لا سيما أن لها التزامات ومواعيد عمل أخرى في موانئ دولية متعددة يجب عليها تنفيذها بمواعيدها المطلوبة، وإلا ستقع تحت طائلة عقوبات القوانين البحرية التي لا تخفى إجراءاتها على سيادته.
بعد ذلك الطرح وسماع المدير فحوى القضية وما أردنا إطلاعه عليه. بادرنا، مشكوراً، بالقول إنه سيتولى متابعة الموضوع مع رجال قضاء الموانئ اللبنانية، وإنه سيعمل بالتعاون مع زملائه الكرام على حل الإشكال بأسرع وقت ممكن حسب الإجراءات الرسمية المتبعة في مثل هذه الأوضاع، ثم أضاف: «أليس علينا أن نعرف أولاً أسباب حجز الباخرة؟». الباخرة وحسب ما قال رجال الجمارك تحمل على متنها كمية كبيرة من علب السجائر تفوق بكثير حاجة الربان والملاحين في رحلتهم التي زاروا بها ميناء طرابلس، وهنا دخل «الشك» في نفوس رجال أمن الميناء من رجال الجمارك بأن هذه الكمية يراد تهريبها وبيعها في الأراضي اللبنانية، الأمر الذي يعاقب عليه القانون حسب ما جاء في بند «الشك» الذي يطبق في القانون اللبناني.
ولذا عرض الأمر على رجال القضاء في الميناء، الذين أمروا بحجز الباخرة لمعرفة الحقيقة والأسباب التي دعت ربان السفينة الى نقل هذه الكمية الكبيرة التي لا حاجة له بها استناداً إلى بند «الشك»، الذي يتيح ويسمح لرجال الجمارك، والقضاء منهم، باتخاذ هذا الإجراء في حالة الشك الذي يتبادر في نفوس رجال الجمارك.
في الآخر طلب منا نقل تحياته وتمنياته وتمنيات زملائه والشعب اللبناني الشقيق إلى الشعب الكويتي، مؤكدا أنه سيعالج الأمر حسب ما أبلغنا.
في الأخير علينا أن نعلم أن الكويت ولبنان صنوان لا يفترقان أدام الله على الجميع المحبة والسعادة والأمان.

محمد سالم البلهان*

*سفير سابق.

 

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

الصندوق الأسود

مقالات ذات صلة

إغلاق