الورقية - كتاب وآراءكتاب وآراءمقالات

القدس.. ذكريات في خاطري

في شهر يونيو 1961 ذهبت إلى القدس لحضور اجتماع مكاتب مقاطعة إسرائيل، حيث كنت في حينه رئيساً لمكتب مقاطعة إسرائيل، الذي كان تحت إشراف السيد عبد السلام شعيب، المدير العام للجمارك رحمه الله. وكان رئيسا للوفد. أقمنا في فندق الأمبسادور على شارع الشيخ جراح، ويفصله عن القدس المحتلة سور القدس. كنت استغل بعض ساعات الفراغ لأجلس في الشرفة المطلة على الجانب المحتل من القدس، واتطلع بواسطة ناظور كان معي على ما يمكن مشاهدته على الأرض المحتلة، وكان حلم اليقظة يصور لي أن تحريرها سيكون قريبا، وبترتيب من السلطات الأردنية زرنا مدناً ومواقع عديدة في الضفة، واطلعنا على الكثير من التداعيات التي سببها إنشاء الكيان الصهيوني. ففي بيت صفافة بنايتان يفصلهما شريط من السلك وساكنوهما من عائلة واحدة. وفي طول كرم وقفنا على سكة حديد القطار، وقال لنا المرافق: إن مفاوض الهدنة العربي رفض أن يعطي هذا الموقع لإسرائيل، لكي لا تستفيد من سكة الحديد. وبعد دقائق رأينا قطاراً إسرائيلياً متجهاً إلى الجنوب. كل ما شاهدناه وسمعناه خلال الأيام التي قضيناها في المؤتمر زادنا تفاؤلا وأحلاما أن تحرير كامل التراب سيكون قريبا. وبقي ذاك الحلم حتى عشية وقف الحرب يونيو 1967. ولكن لم نيأس، وقرار مؤتمر الخرطوم (اللاءات الثلاث) ضمّد بعض الجراح. ولكن الخسائر السياسية كانت فادحة. ولكن لم تقيّم الهزيمة تقييما سياسيا بقدر الخسارة الحقيقية. كما أثبتت الهزيمة قوة التحالف الأميركي ــ الإسرائيلي. وكذلك الفلسطينيون ومناصروهم من الأنظمة العربية لم يتعظوا من الهزيمة، بل أخذوا منها حجة للخلاف في ما بينهم، حتى كادت تتلاشى القضية عربيا ودوليا بسبب الخلافات. لهذا لم تجد منظمة التحرير الفلسطينية مخرجا من وضعها السياسي المتداعي إلا القبول باتفاق أوسلو. بالرغم من عيوبه. إلا أن اليمين الإسرائيلي لم يقبله. لذا قتل رئيس الوزراء إسحاق رابين، الذي وقع الاتفاق، ثم تم تتبع السيد عرفات حتى قُضي عليه مسموما حسب بعض الروايات. وحكومة بنيامين نتانياهو اليمينية تنكرت لاتفاق أوسلو وأقفلت كل مسالك فرص السلام على الفلسطينيين، وأخذت تحاصرهم ماديا، وتكاد أن تستولي على كل الأرض الفلسطينية. لهذا من حق أي إنسان عربي أن يستغرب، عندما يرى رئيس وزراء إسرائيل الرافض للسلام العادل مع الفلسطينيين في زيارة بلد عربي، أو مقابلة مع مسؤول عربي، هذه الزيارات والمقابلات تعطي دعما للجانب الإسرائيلي، وتجعله يتأمل بتوسيع دائرة التطبيع، وتضعف الموقف الفلسطيني. وإذا كان لقاء رئيس وزراء إسرائيل يتم إرضاء للرئيس الأميركي المنحاز كليا لإسرائيل من أجل ما يسمى بصفقة القرن، فإن النتيجة هي استسلام كامل للهيمنة الإسرائيلية، وضياع للحقوق الفلسطينية، وهزيمة للعرب بعد كل التضحيات التي قدموها، ولن يتحقق السلام المنشود، وصاحب القرار في هذا الشأن هو الشعب الفلسطيني الذي يقدم الشهداء من أجل قضيته العادلة.
وقد سبق للزعماء العرب مجتمعين أن وافقوا بالإجماع على المبادرة العربية «الأرض مقابل السلام». وهي الحل الممكن، من واجب العرب أن يتمسكوا فيها، ويصروا على تنفيذها. ومن واجب الفلسطينيين أن يجمعوا شملهم ويوحدوا كلمتهم، ويستقووا بعزيمتهم، ولا يسمعوا إلا لصوت مصلحتهم.

أحمد غيث*

* سفير سابق

 

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

الصندوق الأسود

مقالات ذات صلة

إغلاق