على هامش الثقافة

الورقية - مقالاتكتاب وآراءمقالات

«ليلى» والذئب الصالح

منذ الطفولة تعلق في ذاكرتنا قصة «ليلى والذئب»، ولدينا اليوم الأسباب لإعدادٍ جديدٍ للقصة كما يلي:
ليلى بنت دؤوبة تريد إيصال الطعام إلى جدتها، والذئب ماكر خبيث يريد التهامها، وهو يعلم جيداً أن أسلافه اعتادوا الذهاب إلى بيت الجدة والتهامها والتنكر بهيئتها لالتهام ليلى، لكن ذئبنا اليوم أذكى من أسلافه ويعلم جيداً أن في ذلك تشبُّهاً بالنساء مخالفاً للعادات والتقاليد، الأمر الذي قد يُدخله السجن بومضة عين، وأن استمالة ليلى باللعب معه قد تعرضه لجناية التحريض على الفسق والفجور.. فيتوصل الذئب المكَّار إلى الحل الأمثل «اللي ميخرش الميه» وهو التنكر بهيئة «الرجل الصالح» وهو ما كان.. يذهب الذئب ويطرق باب الجدة فتفتح له الخادمة الآسيوية فيلتهمها، ثم يدخل على الجدة اللاهية بالتويتر والانستغرام على خلاف العادات والتقاليد فيجد بذلك مبرراً لالتهامها هي وهاتفها.. ثم يتوجه إلى جمع الرجال الصالحين ويجلس بينهم، ويبدأ التشهير بـ«ليلى» البنت الشريرة التي تقتلع زهور الغابة وتدمر حشائشها وتُفسد أخلاق الشباب، بل وتشيعُ أيضاً أفكاراً تتعارض وقيم المجتمع وعاداته وتقاليده بدليل قبعتها الحمراء.. يبدأ الصالحون من كل حدبٍ وصوب بالترويج لأقاويل الذئب ورواياته على وسائل التواصل الاجتماعي وإعادة تغريدها ونشرها بين الجمهور.. فتصدر الأوامر بمصادرة كل القبعات الحُمر منها ومن كل أشباهها ومنعها من دخول الغابة وإفساد الثوابت.. أما الحطَّاب؛ بطل القصة القديمة الذي وجد نفسه من دون دور بطولة، فسعياً منه للشهرة يتصدى لحركة إزالة القصة الخرافية القديمة من التداول وإعادة نشر وتوثيق القصة الجديدة التي سطرَّها الذئب وصحبه من الرجال الصالحين.. وفي طريق عودته إلى وكره يرى الذئبُ ليلى تجلس باكية، فيوبخها على رفضها اللعب معه، ثم تناشد ليلى الذئب أن يأكلها ويخلصها من الإحساس بالوحدة فيقبل قائلاً لنفسه إن إزالة كتلة البؤس هذه أمرٌ تفرضه العادات والتقاليد فيلتهمها وتختفي..
نعيش اليوم في الكويت مداً جديداً لموجة خنق فضاءات الحرية عبر منع الكتب والروايات والمسرحيات والشعر وغيرها، التي جعلت من الكويت شبحاً لما كانت عليه يوماً، فأي انتصارٍ للرقابة هو هزيمة – بشكلٍ أو بآخر – لحرية التعبير وتآكلٌ لدور الكويت التاريخي في رفع سقف الحريات عربياً، وإن توالت هذه «الانتصارات» الزائفة فستقضي تماماً على مشروعنا الثقافي الوطني، خصوصاً مع استمرار استدراج أغلب أصحاب القرار الثقافي الرسمي إلى مربع المنع عبر حملات الواتس آب وهاشتاقات وسائل التواصل الاجتماعي التي تُرسم ويُخطط لها وفق أجندات لا علاقة لها بالثقافة لا من قريبٍ ولا بعيد.

سليمان البسام

مؤلف ومخرج مسرحي
SAB_Op@

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

الصندوق الأسود

مقالات ذات صلة

  • إعلان كوالتي نت
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock