على هامش الثقافة

الورقية - مقالاتكتاب وآراءمقالات

ديرة الأشباح.. و«الفارس» شهاب

من يزر مدينة بيروت تستقبله صور الشهداء المعلقة على كل زاويةٍ ومنعطف.. شهداءٌ أُزهقت أرواحهم في صراعاتٍ وحروب فداءً لما آمنوا به يوماً.. أرواحٌ تسكن بغيابها المكان وتلونه بلون الموت.. محيلةً بيروت إلى مدينة مسكونة بالأشباح بحسب بعض الفنانين ومنهم وليد رعد وربيع مروة ولينا صانع وغيرهم.
ومع كل الاختلاف التاريخي والمعاصر بين الكويت وبيروت؛ فإن الزائر لعاصمتنا وضواحيها يستشف أن الذاكرة المحلية مليئةٌ بالفراغات، فأينما اتجهت عيون المُبصر تجد أمامها فراغات لها وطأة صور الشهداء البيروتية ذاتها.. فراغاتٌ ورموزٌ لما كان هنا يوماً ولم يعد موجوداً، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ بيت لوذان، مسجد الرومي، البيت المسكون، بيوت الأرامل بالروضة، بيوت النصف، دور سينما الفردوس والحمراء والأندلس وسينما السيارات وحولي الصيفي، والنقع ومزارع الجهراء وابوحليفة والفنطاس وغيرها كثير من المعالم المعمارية التي اختفت وتحولت بين ليلةٍ وضحاها إلى ركام.. لكنها ما زالت تسكن بغيابها الوعي الجمعي، فتضفي عليه لون الفراغ والموت محيلةً ديرتنا إلى مدن أشباح.
في حديثٍ مع الصديق شهاب شهاب الأمين العام المساعد لقطاع الآثار والمتاحف بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب سابقاً، اتضح أنه قدَّم عام 2015 مشروع السجل الوطني للتراث الثقافي الكويتي، الذي كان سيحوي سجلاً شاملاً للمباني الأثرية والمواقع التراثية ورصداً كاملاً لجميع المعالم المعمارية الكويتية؛ الحديثة منها وتلك التي تعود إلى عصر ما قبل النفط.. تلك المعالم التي تستحق العناية والتوثيق، والأهم من ذلك أن هذا السجل يمثل الخطوة الأولى نحو تفعيل قانون الآثار لعام 1960.. ومع الأسف فقد بقي هذا المشروع حبيس أدراج المجلس الوطني؛ أوراقاً مسلوبة الحياة حاله حال الوجوه في صور الشهداء ببيروت.. وفي الأماكن التي كانت تعج بها ذاكرة مجتمع استوطنت ساحبات زجاجية دون هوية.. من دون معنى سوى شراسة مد رأس المال أمام جَزْرِ دور الدولة والمجتمع.. ذاك المد الذي يواظب على نهش كل ما حوله بكل توحش دون أي اكتراث كما كل ايديولوجيات الدم.. محيلاً بيئته مسخاً لما قد كان.
قبل أيام كرمت السفارة الفرنسية شهاب شهاب وتم تقليده وسام الاستحقاق الوطني الفرنسي من رتبة فارس لجهوده في التنقيب وحماية التراث الكويتي لأكثر من ثلاثة عقود.. ويا ليتنا نكرم فكرة «الفارس» شهاب شهاب إكراماً لتاريخنا الوطني وتراثنا وذاكرتنا، وكي لا تحتال ديرتنا مسخاً ونجنبها مصير أن تصبح «ديرة أشباح».

سليمان البسام *

مؤلف ومخرج مسرحي*
@SAB_Op

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

الصندوق الأسود

مقالات ذات صلة

  • إعلان كوالتي نت
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock