الورقية - مقالاتكتاب وآراءمقالات

في حضرة الرهبان الأرثوذوكس

رودس جزيرة يونانية سياحية، تمتاز بموقعها الجغرافي المميز بالنسبة لليونانيين، لكونها متاخمة للحدود البحرية التركية، التي لا يفصلها عنها سوى مضيق بحري صغير، كما أن الجزيرة تتمتع بمناظر طبيعية خلابة وجو مناخي بديع.
زاد من شهرتها السياحية اجتماع زعماء دول الحلفاء إبان الحرب العالمية الثانية، رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل، وزعيم الولايات المتحدة الأميركية الرئيس روزفلت، وزعيم فرنسا الرئيس شارل ديغول، إضافة إلى زعيم الاتحاد السوفيتي آنذاك الرئيس ستالين.
احتفظت السلطات اليونانية بمكان اجتماع الزعماء، وبكل ما يحتويه من أدوات استعملت خلال الاجتماع، وبالقاعة والطاولة وكراسي الجلوس، كذلك حافظت على جميع ما تركوه من أوراق قرطاسية وغيرها كمعلم سياحي يرتاده السياح من كل مكان.
تحيط بجزيرة رودس عدة جزر يونانية صغيرة، أشهرها وأكبرها مساحة وأهمها هي جزيرة دير الأرثوذوكس، التي هي ملك للدير، ولها إدارة رهبانية خاصة، تتولى إدارة شؤون الجزيرة التي لها مرسى بحري واحد، تفتح بابه لاستقبال سفن وقوارب الزوار في الساعات الأولى من الفجر وتقفل قبل مغيب الشمس بساعة واحدة، ولا يسمح بعد ذلك لكل قوارب وسفن الزوار بالمبيت في المرسى أو الدخول إليه، بل عليها مغادرة المكان قبل مغيب الشمس إلا في حالات الضرورة القصوى، كالاضطرابات البحرية، أو إذا أصاب محركات السفينة عطل يمنعها من الإبحار، أو إذا مرض ربان السفينة مرضاً يمنعه من قيادتها.. في الحالة هذه تسلم السفينة كعهدة بعد إفراغها من ركابها إلى رجال الأمن في الدير، اما الركاب فيبقون في ضيافة الدير، في استراحات مريحة أعدت لهذا الغرض.
لي صديق يوناني يدعى تاسو اكسنتا بولس، له علاقة جيدة قديمة بأحد كبار الرهبان في الجزيرة، بواسطته وبمعيته استضافنا الدير ليلتين على التوالي، كانت أوقاتاً جميلة قضيناها في تلك الجزيرة، التي تضج بالحركة والحيوية التي يتمتع بها الرهبان وطلاب مدارس اللاهوت، التي تعد من أكبر مدارس اللاهوت في اليونان في تلك الجزيرة.
ترتكز كنيسة الدير وسط أرض الجزيرة، تحيط بها عدة حدائق عامرة بالأشجار ونباتات الزينة والورد والأزهار، في الصباح الباكر تعلو المكان أصوات الرهبان في صلاتهم، ممزوجة بأصوات النواقيس التي يسمع رنينها في كل أرجاء الجزيرة.
في تلك اللحظات جاء بخاطري ذكر الآية الكريمة: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» صدق الله العظيم.. فإن كان هؤلاء القوم في ما يؤدونه في صلاتهم من خشوع يدعون بذلك الخالق جل وعلا، ويطلبون منه الرحمة والمغفرة مؤمنين بالله واليوم الآخر، فأمرهم عند خالقهم هو من يعلم ما في الصدور، فمن يرض عنه فمثواه الجنة مع الصالحين.

محمد سالم البلهان*
*سفير سابق

 

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

الصندوق الأسود

مقالات ذات صلة

إغلاق