أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الثلاثاء، عن انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الموقع مع إيران عام 2015، الذي عرف باسم 6 + 1، في خطوة دراماتيكية ستغير وجه الشرق الأوسط. وعلى الرغم من عدم انطلاق مدافع أو عمليات حربية حتى الآن، فإن انسحاب واشنطن من الاتفاق يضع طهران في وضع صعب للغاية من ناحية، ويقلص الخيارات لاحقاً أمام ترامب في حالة التصعيد المقبل ليصبح الذهاب إلى الحرب مع إيران أمراً محتملاً جداً، من ناحية أخرى. أظهرت لغة جسد ترامب تصميمه الشديد على إلغاء الاتفاق النووي، سواء برفع قبضته اليمنى والضغط بأصبعين على مخارج الكلمات، أو وضع توقيعه مكبراً على مرسوم الانسحاب وعرضه على الكاميرات من مختلف الزوايا، وكأنه حقق بالفعل إنجازاً يستحق التهنئة عليه. ولم يفت ترامب في كلمته التمهيدية للانسحاب من الاتفاق أن يخلط بين عدة أمور: دعم إيران لجماعات مسلحة و«الإرهاب» في المنطقة، وامتلاك إيران لصواريخ بالستية، وتعاظم نفوذ إيران الإقليمي، والاتفاق النووي مع الغرب. ويعني ذلك أن جوهر المسألة لدى ترامب ليس الملف النووي أو ضرورة إعادة التفاوض عليه، وإنما ومن دون مواربة موقع وسياسات إيران في معادلات الشرق الأوسط.
بالمقابل، عكست كلمة الرئيس الإيراني حسن روحاني، التي تلت كلمة ترامب مباشرة، حجم الخسارة التي يشعر بها حين أعلن أن بلاده ستتخذ قرارها بعد التشاور مع الحلفاء والأوروبيين، لأن إعلان إيران انسحاب مقابل من الاتفاق النووي في ذات يوم الانسحاب الأميركي منه يعني تدحرجاً في التصعيد، يناسب ترامب وإدارته ولا يناسب إيران. ومن المعلوم أن الجناح الذي يمثله روحاني في النظام الإيراني هو أكبر المتضررين من إلغاء الاتفاق، في مقابل المتشددين الذين رأوا في الاتفاق وسيلة أميركية لتقليص نفوذهم الاقتصادي، ومن ثم السياسي داخل إيران. في كل الأحوال لا يتعامل ترامب بمصطلحات «المتشدد» و«المعتدل» مثلما كان أوباما، إذ إن ترامب يرى كامل النظام الإيراني مستحقاً للتغيير ولا فرق بين أجنحته.
فقد الاتفاق جزءا كبيرا من معناه بخروج أميركا منه، فالاتفاق النووي كان في الجوهر والعمق اتفاقاً إيرانياً - أميركياً، ببعد اقتصادي يضمن نفاذ الاستثمارات الأميركية إلى الداخل الإيراني، وببعد إقليمي يقنن نفوذ إيران في المنطقة بضوء أخضر أميركي، وذلك بشهادة وتوقيع كل من روسيا والصين وألمانيا وفرنسا وانكلترا. ومنذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض كان الاتفاق النووي في حكم المنتهي عملياً، لأن أي من بعديه، سواء الاقتصادي أو الإقليمي، لم يجد طريقه للتنفيذ. وخلال السنة التي أمضاها ترامب في الرئاسة، فإنه لم يغيِّب فرصة لانتقاد الاتفاق النووي مع إيران، وحشد وراءه دعماً أميركياً وإقليمياً ضد الاتفاق. ولعل مسارعة حلفاء واشنطن في المنطقة إلى تأييد انسحاب واشنطن من الاتفاق تعني أن مواجهة إيران نووياً واقتصادياً وإقليمياً وحتى عسكرياً، أصبحت المادة اللاصقة لتحالفات إقليمية جديدة في المنطقة بين حلفاء واشنطن.
لم يحرم ترامب طهران من منافع فقط، بل انحدر بمكانتها في النظام الدولي من دولة إقليمية تملك تكنولوجيا نووية سلمية وتبرم اتفاقات مع أقطاب النظام الدولي، إلى دولة مزعزعة للاستقرار في المنطقة و«الراعية الأولى للإرهاب الدولي»، كما أسماها، وهو انحدار عظيم في مكانة إيران. الخطوة التصعيدية المقبلة من طرف ترامب ستكون طرح مطالب تعجيزية للاستجابة لها أو فرض عقوبات اقتصادية جديدة على إيران، وفي حال عدم امتثال إيران ستُفرض عقوبات أخرى وهكذا دواليك. وفي النهاية لن يتبق أمام ترامب سوى استعمال القوة المسلحة لتغيير النظام الإيراني، لأنه يستنفد بسرعة أوراقه التصعيدية. حتى ذلك الحين ستشتعل المنافسة الإقليمية بين طهران وتل أبيب في ساحات المنطقة الأقرب، سوريا ولبنان، وهو ما يفتح الطريق بدوره أمام احتمالات كبيرة للحرب في الأسابيع المقبلة. باختصار ووضوح: المنطقة مقبلة على صيف ساخن بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي.

د. مصطفى اللباد

 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking