الأولى - ثقافة وفنونالورقية - المجلةثقافة وفنون

تكريم الأديب ناصر الظفيري

ليلاس سويدان|

تكريم الأصدقاء لصديق مبدع، ربما كان أجمل كثيرا من تكريم مؤسسات لها حساباتها، تغيّب البعض بينما تفسح منصاتها لآخرين. ناصر الظفيري الروائي الكويتي بالهوية، «البدون» كما تقول الجنسية، الذي يأتي للكويت هذه الأيام من كندا وطن الهجرة، بادر مجموعة من أصدقائه بإقامة أمسية تحتفي به تحت عنوان «ناصر الظفيري.. رواية الوطن والغربة». كانت أمسية لا تنسى اختلطت فيها الصداقة بذاكرة المكان «الجهراء»، بألم قضية «البدون» وبشخصياته الروائية التي حضرت في كلمات أصدقائه وبالمشهد التمثيلي الذي قدم، بدموع الحضور وبذلك الشجن الذي في كلمته التي ابكتنا جميعا.

قدم الأمسية الإعلامي فهد المشعل وقال «نحاول عبر أمسيتنا أن نشكر أحد أصحاب التجربة الانسانية التي اتصلت بالإنسان وماضيه وحاضره ومستقبله، ولمثل أصحاب تلك التجارب يكون التكريم»، وأضاف «لنفهم تجربتهم الإنسانية التي غفلت عنها وسائل الإعلام واهتمت بما هو دونها».
البدون والوطن
كلمة الأصدقاء قرأتها الشاعرة الزميلة سعدية مفرح، التي تحدثت فيها عن البدايات التي جمعتها بناصر الظفيري جار الطفولة، وزميل الدراسة والعمل ورفيق الكتابة، ومرت برواية «سماء مقلوبة» التي كتبت مقدمتها في 1995، وذكريات المجموعة الأدبية التي كانا قد أسهما في تأسيسها أثناء دراستهما في جامعة الكويت وعملهما محررين في القسم الثقافي لجريدة الوطن، وأضافت:
عندما قرر ناصر الهجرة إلى كندا لاحقا، تحت وطأة شعوره بضرورة عمله على تأمين مستقبل أسرته الصغيرة، كانت قد فرقتنا ظروف انتقال كل منا إلى عمل جديد بعيد عن الآخر.
وقبل سفره بأيام زارني في مكتبي ليودعني، ففوجئت بقراره، وحاولت ثنيه عنه.
قلت له يومها «أنت موهوب جدا يا ناصر، وأنا مؤمنة أنك أهم اسم روائي كويتي ظهر في العقدين الأخيرين، فلماذا تغادر وطنك؟».
لحظتها وقف ناصر ليرد علي «وطني؟ وطنك؟ أنت تمزحين طبعا»!
كانت المرة الأولى التي يتخلى فيها هذا الفتى الموهوب بالقص والهدوء، عن هدوئه المزمن لمصلحة غضبةٍ انفجرت ودمعةٍ تفجرت عنوانُها «البدون والوطن».
بصمة خاصة
الروائي عبدالله البصيص تحدث عن بصمة ناصر في الكتابة ولغته الشاعرية وتراكيب جمله الطويلة عند ذكر الجهراء، والقصيرة عند ذكر بلد المهجر، عن العفوية في استدراج القراء للاستمرار في القراءة، عن طريق رسم صور أبطال قد نراهم في الشارع في أي لحظة تفصح عن تضامنه مع الانسان المعذب. وقال «استطيع أن أقول إن ناصر الظفيري هو روايته (الصهد)، ثم قرأت (كاليسكا) عند صدورها، و (المسطر)، لم يتغير ناصر فيهما». وأضاف: أفكار ناصر في «سماء مقلوبة» و«الصهد» و«كاليسكا» وفي «المسطر» توحي بقيم عالية في الصداقة التي يفتقدها ويعطيها لأبطاله بشكل شخصيات مساندة تكون في قمة الاستعداد للتضحية من اجل الصديق.
صار وطناً لنا
الشاعر عبدالله الفلاح قال في تكريم الظفيري:
.. الذي كان في «سماء مقلوبة» صوتا خارجا عن ضجيج المرايا.. علمنا حكاية الحنين الذي ترعرع في دواخلنا وترعرعنا في داخله!
الذي حمل «أغرار» ترك عينيه معلقتين على باب الجهراء.. وهاجر!
الذي جعل «كان» هي الآتي في «الصهد». وغسل وجه الزمن بالجراح، والصحراء تعوي!
الذي أثث لنا المنفى في «كاليسكا»!
الذي وضع «المسطر» معرّيا التاريخ.. التاريخ الذي صار جنازة على كتف الريح!
الذي كتب الأمل للذين لا لون لأحلامهم من كثرة اليأس الذي نعرفه دمعة دمعة، يكتبنا لنا ليعيد ترميم أرواحنا! الذي يكفي أن يكتب لنعانق حريتنا!
الذي… ناصر الظفيري.. صار وطنا لنا.
Amigo
الشاعر محمد النبهان قرأ نص “Amigo” الذي كتبه “إلى ناصر الظفيري”
كان على الثلج أن يتوقّف
حين التقينا في سماءٍ بعيدةٍ
السماءُ الوطن
السماءُ الأخيرة في زرقة النهر
السماءُ التي علّمتنا أن نعضّ على الأرض بأحلامنا
نعلّم صغار السٌناجب أن تتقافز في ساحة Hog’s Back
ونضحك..
كل شجرة لها رقم في الحديقة يا صاحبي
فهل تذكر رقمك في سدرة البيت؟
كان علينا أن نزوّر أرقامنا
أو نعيد كتابتها في مراكز الهجرة
خذ بطاقتك الجديدة
وامنح الوطن حبلاً آخر من الحظ
لنقلد رقصة زوربا مع الغرباء
نَقلِبُ (عشيش) الحكاية
مرّةً أكون شاعرك الذي تركتَه وحيدًا في الرواية
ومرّةً أستعير حِيَلَ سردك في القصائد التي أضعتُها مرتين.
كان عليّ ألا أغادر
لكنّني أمارس تيه بدونيتي
لتكتبني قيوطًا يطارد الوهم
وأكتب عنك احتمال الرجوع
مونودراما
الفنان ناصر كرماني قدم مشهد مونودراما استحضر من خلاله شخصيات الظفيري الروائية، ومنها شخصية شومان في «الصهد»، وشخصية ضيدان (المسطر) وشخصيات أخرى من «سماء مقلوبة» و«كاليسكا»، منها الأشيب والعرجون والقنفذ وفهد العواد، وعلاقتها بالمكان والهوية كما قدمها الظفيري في روايته. ومن خلال هذا المشهد أشار كرماني إلى أن الظفيري يحمل هم قضية البدون كهمّ سيزيفي، وانهى ذلك المشهد باعتبار روايات الظفيري شهادة ميلاده وجنسيته الكويتية التي لم يحملها رسميا.
فيلم وكتاب ودروع
ضمن فقرات الأمسية، عرض فيلم قصير تم تصويره عن الظفيري ما بين كندا والجهراء، وقدم فيه اسماعيل فهد اسماعيل وعبدالوهاب سلمان وعبدالرحمن حلاق شهادات في ناصر الصديق والروائي. وعقب الأمسية أقيم حفل توقيع لكتاب يحمل اسم الأمسية من ثلاثة فصول؛ الأول هو «بحوث ودراسات»، والثاني «مقالات صحفية عن التجربة والكاتب»، والثالث «شهادات شخصية». وتم تقديم دروع تكريم للظفيري من دار مسعى ودار كلمات ودار مسارات وميوز لاونج.

لا تفرطوا بمن عاش سراءكم وضراءكم

● الظفيري يوقع كتاب {رواية الوطن والغربة} بين أصدقائه

ناصر الظفيري، في كلمته التي ألقاها، تحدث عن قضية البدون وعن كتابته لتاريخ هؤلاء البسطاء في روايته:
لقد أضعتم الكثير من العقول الجميلة ومن رجالكم المخلصين. عقول أنتم رعيتموها وأنفقتم عليها وتذكر لكم جميلكم ولا تجد طريقا كي ترد هذا الجميل، أناس لم يعد لهم من طموح سوى العمل الكريم والمعاملة الطيبة. أعرف وتعرفون أنكم خلال نصف القرن الذي قاسموكم به ملحكم وخبزكم لم تجدوا منهم إلا الاخلاص في العمل والتفاني في الخدمة والحرص على مقومات الدولة.
الآن أقول لكم: لا تفرطوا بطبيب ومهندس ومدرس وجندي وعامل ومزارع من نسيجكم، اختلطت دماؤه بدمائكم وعاش سرّاءكم وضرّاءكم، صاهركم وصارهتموه.
كم طفلا من البدون يحمل علم الكويت في الغربة حين يحمل الأطفال أعلام بلدانهم في حفل الجاليات السنوي، كم رجلا يعلّم أولاده أن وطنهم هو الكويت كي لا يخون تاريخه. وما كتبته خلال هذه الرحلة هو تاريخ هؤلاء البسطاء الذين أخلصوا لبلاد لم تخلص لهم. والآن لم يعد لي مطمع شخصي ولا لأولادي، ولكنني سأقاتل حتى آخر يوم في حياتي ليبقى هذا الأدب كويتيا.

 

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

الصندوق الأسود

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock