قبل مئة عام، صدر وعد بلفور لأن بريطانيا كانت بحاجة إلى دعم مالي من بنك روتشيلد، المملوك من عائلة روتشيلد اليهودية، من خلالها أرادت بريطانيا الدعم المادي وكسب ود المنظمة الصهيونية في أميركا لإقناع الأخيرة بالمشاركة في الحرب بجانب القوات البريطانية. والغريب أن يأتي الرئيس ترامب بعد مئة عام ليقدم القدس هدية لتكون عاصمة إسرائيل، مخالفاً كل قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والمجتمع الدولي. وغايته من هذا التصرف زيادة التقرب من اللوبي الصهيوني، والمنظمات المسيحية الإنجيلية اليمينية المناصرة للصهيونية وإسرائيل. ويأتي هذا القرار تنفيذاً لوعده أثناء حملته الانتخابية لكسب أصواتهم لتخفيف المعارضة المتزايدة ضده. والمتتبع لما يصدر عن الرئيس ترامب سيرى الكثير من التصرفات والتصريحات الغريبة والمتناقضة. فقد وصل إلى البيت الأبيض من خلال سياسة غير مألوفة في انتخابات الرؤساء الذين سبقوه. فالحزب الجمهوري لم يرشحه، ولكن ترامب فرض شخصه عليه من خلال استقطاب العمال والمزارعين البيض وأصحاب المصالح واللوبي الصهيوني. وبسبب كثرة الانتقادات التي توجه إليه، نراه يهرب إلى الأمام ويستغل عواطف مناصريه.
بعد توقيعه قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس، أجزم على أنه رئيس لا يعول على نهجه السياسي ووعوده. لقد وثق الفلسطينيون بالولايات المتحدة. ووقّع السيد ياسر عرفات اتفاق أسلو في البيت الأبيض عام 1993، ولكن بسبب متانة التحالف الأميركي - الإسرائيلي تنصلت إسرائيل من تطبيق بنود الاتفاق. والرؤساء الأميركيون بدورهم لم يجرؤوا على الضغط على إسرائيل. ولكن الرئيس ترامب أكد بكل جرأة أن مصلحته السياسية تأتي في المقدمة. لذا، قام بكل جرأة بالقضاء على اتفاق أسلو، وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن حول القدس.
لذا، ليس أمام الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية أي خيار إلا اللجوء إلى الثورة بالوسائل التي يرونها مناسبة لإثبات وجودهم ونيل حقوقهم الشرعية. ومن أجل تعويض الدعم المادي الذي سيوقفه الرئيس ترامب، فإنه يجب أن يعوض من خلال إنشاء صندوق قومي عربي تساهم فيه الدول العربية من أجل التأكيد على الالتزام العربي تجاه الشعب الفلسطيني، وأهمية القدس لكل العرب والمسلمين، لأنها تمس كرامتهم ومشاعرهم الدينية. ومن أجل تحقيق الانتصار المنشود، صار لزاماً على الفلسطينيين أن يكونوا صفاً واحداً وقيادة واحدة، وهدفاً قومياً واحداً، لكي يستقطبوا الدول والمجتمعات المؤيدة للسلام وحقوق الإنسان.

أحمد غيث*
* سفير سابق

 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات