الإسلام السياسي والفكر المتطرف في الكويت والخليج العربي

الورقية - المحلياتدراسات

الجذور الفكرية لجماعات الإسلام السياسي المتشددة

بقلم: أ. د. فلاح عبدالله المديرس|
جهيمان العتيبي
تتناول هذه الدراسة جماعات الإسلام السياسي السني والعنف الديني، أو ما اصطلح على تسميته بالجماعات الجهادية السنية، ونقصد بها الجماعات والحركات والأحزاب التي تتخذ من الخطاب السياسي الديني أيديولوجية لها، وتعارض الدولة المدنية، وتسعى إلى اقامة دولة دينية. ومثال على ذلك جماعة الإخوان المسلمين، والجماعات السلفية والجماعات السلفية الجهادية، وحزب التحرير، وتنظيم القاعدة، .. وغيرها من الجماعات والحركات والأحزاب التي تتوالد بكثرة وتنشط بين أبناء المجتمع الكويتي وبقية أجزاء منطقة الجزيرة والخليج العربي.
وهذه الحلقة تلقي الضوء على ارتباط العنف بجماعة الإخوان المسلمين في مصر منذ تأسيسها، والعديد من العمليات الإرهابية التي نفذتها «الجماعة» أو حاولت تنفيذها، وصراعها الدموي مع السلطة، إلى أن أعلنت الحكومة المصرية «جماعة الإخوان المسلمين» منظمة إرهابية. وترصد الحلقة ظهور الاتجاه الديني المتطرف والاتجاه التنويري في الكويت مع بداية القرن الماضي.
تتناول هذه الدراسة جماعات الإسلام السياسي المتشدد والعنف الديني أو ما اصطلح على تسميته بالجماعات الجهادية، ويقصد هنا بـ«جماعات الإسلام السياسي السني» جميع الجماعات والحركات والأحزاب التي تتخذ من الخطاب السياسي الديني أيديولوجية لها، وتعارض الدولة المدنية وتسعى الى اقامة دولة دينية. ومثال على ذلك «جماعة الإخوان المسلمين» والجماعات السلفية والجماعات السلفية الجهادية وحزب التحرير وتنظيم القاعدة وتنظيم داعش وغيرها من الجماعات والحركات والأحزاب التي تتوالد بكثرة وتنشط بين أبناء المجتمع الكويتي، وبقية أجزاء منطقة الجزيرة والخليج العربي.
وتسلط هذه الحلقة الضوء على منابع الفكر المتطرف التي تأثر بها بعض المنتمين لجماعات الإسلام السياسي  المسلحة وامتداداتها في الكويت، وعلى ابرز منظري «السلفية الجهادية» الذين انتشرت رسائلهم وفتاواهم، مثل النار بالهشيم، بوساطة المواقع الالكترونية وأشرطة الكاسيت والمحاضرات التي كانت تقام في مخيمات في الصحراء الكويتية يحشد فيها صغار السن من الشباب للاستماع لمنظري «السلفية الجهادية».
تعود الجذور الفكرية لـ«جماعات الإسلام السياسي المتشدد» المسلحة إلى تأثر بعض المنتمين اليها بما يلي:
أولاً: التأثر بـ«الجماعة السلفية المحتسبة» التي نشأت في أواسط الستينات من القرن الماضي، بعد أن قاموا بحملة تكسير الصور في المحال التجارية على أساس أن الصور حرام ومعظم مؤسسي الجماعة خرجوا من رحم جماعة الدعوة والتبليغ وكان من بين هؤلاء جهيمان العتيبي. وهذه الجماعة متأثرة بالشيخ ناصر الدين الألباني، وكانت الجماعة تحرص عند زيارة الشيخ الألباني إلى السعودية على أداء فريضة الحج في مكة والمدينة على أن تستضيفه لإلقاء المحاضرات والقيام بتدريس أعضاء الجماعة. ويعد الشيخ عبدالعزيز بن باز قائدها الروحي وهو الذي أطلق مسمى «الجماعة السلفية المحتسبة» عند تأسيسها (1). ويدير نشاطها مجلس شورى مكون من خمسة أعضاء، ويعد «بيت الإخوان» الذي أسسته الجماعة في المدينة المنورة بمنزلة مقر للجماعة، ويشرف على النشاطات حمد حسن المعلم الذي يعد من المقربين لجهيمان العتيبي (2).
عمل جهيمان في الحرس الوطني السعودي لمدة ثمانية عشر عاماً. وتشير بعض المصادر الى أنه درس الفلسفة الدينية في جامعة مكة المكرمة الإسلامية، وانتقل بعدها إلى الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ولكن ناصر الحزيمي الذي رافق جهيمان في عملية اقتحام الحرم المكي ينفي هذا ويؤكد أن جهيمان لم يتعد تحصيله العلمي الصف الرابع الابتدائي (3). وفي المدينة المنورة التقى جهيمان بمحمد القحطاني، أحد تلامذة الشيخ ابن باز، وكان يؤمن بهجر المجتمع ومؤسساته المدنية والانعزال عنه لتفشي الفساد والرذيلة في المجتمع وبعده عن الصراط المستقيم كما يدعي. لهذا عرف عن جهيمان رفضه معالم المدنية من راديو وتلفزيون وضد الدولة والوظائف الحكومية والتعليم الرسمي مثل الدراسة في المدارس. يؤمن جهيمان بفكر الحركة الوهابية المتشدد إلا انه يختلف معها حول فكرة المهدي المنتظر، وهي الفكرة التي لم تتبنها الحركة الوهابية، والتي حاول أن ينفذها باقتحامه الحرم المكي (4).
نجحت الجماعة في استقطاب الكثير من الأعضاء من مختلف المدن السعودية، ومعظمهم من أبناء البادية، وهم صغار السن تتراوح أعمارهم بين العشرين والأربعين. لهذا افتتحت فروعاً لها في معظم المدن السعودية مثل الرياض ومكة وجدة والدمام، ولكل فرع قائد محلي، وللجماعة علاقات قوية مع «أنصار السنة المحمدية» في مصر.
ودرجت الجماعة على استضافة شيوخ «أنصار السنة المحمدية» أثناء زيارتهم للأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج والقيام بإلقاء محاضرات دينية في «بيت الإخوان». وللجماعة امتداداتها في الكويت. وكان عدد من أعضاء الفرع الكويتي سبق أن تم اعتقالهم في السعودية (5).
وترفض هذه الجماعة جميع المذاهب الفقهية، بما فيها الوهابي. وكان الخلاف مع المؤسسة الوهابية يتمحور مبدئياً حول مسائل تتعلق بالعبادات، إلا أن هذه الخلافات تحولت بمرور الزمن إلى حركة احتجاجات سياسية اجتماعية متمثلة بفصيل متطرف من «الجماعة السلفية المحتسبة» بقيادة جهيمان ، أو كما تعرف «جماعة جهيمان العتيبي»، التي تدعو إلى تكفير الأنظمة السياسية في منطقة الجزيرة والخليج العربي، والتي تعرف الآن بأهل الحديث، الذين استغلوا مناخ الحرية والانفتاح في الكويت، ما منحهم جرأة في التعبير عن قناعاتهم والحديث عنها، شعوراً بالثقة والقدرة على التحدث في المجالس ولو بالتلميح عن قناعتهم التي تتركز في الأساس على عدم شرعية الحكم (6)، ما أدى بالشيخ عبدالعزيز بن باز إلى إعلان براءته من الجماعة بعد الاجتماع الذي عقدته الجماعة في عام ١٩٧٨، أي قبل أحداث الحرم المكي بعام، وكان الخلاف بين الجماعة والشيخ ابن باز يتركز حول المواقف المتطرفة من السلطة وكذلك بعض المسائل الفقهية مثل الصلاة بالنعلين، وتبديع إقامة المحاريب في المساجد ونبذ التمذهب الذي كان سلوكاً لدى «الجماعة السلفية المحتسبة» (7).
ثانياً: تأثر بعض العناصر القيادية من التنظيم الطلابي لجماعة الإخوان المسلمين في الكويت، والذين يشرفون على العمل التنظيمي للجماعة في القاهرة، بفكر التكفير والهجرة منذ السبعينيات من القرن الماضي (8).
التغيير بالقوة.
ثالثا: اختلاط بعض الشباب الإسلامي المنتمي لـ«جماعات الإسلام السياسي في الكويت» بالجماعات الجهادية الإرهابية في أفغانستان مثل «جماعة الجهاد المصرية» و«الجماعة الإسلامية المسلحة الجزائرية» و«الجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية»، وقد وضعت لهم برامج تثقيفية تركز على كتابات سيد قطب، خاصة كتابه «معالم في الطريق»، وكتابات محمد قطب وأبو الأعلى المودودي، خصوصا «المصطلحات الأربعة» و«الانقلاب الإسلامي»، وكتيب «الفريضة الغائبة» لمحمد عبدالسلام فرج، و«منهاج العمل الإسلامي» للجماعة الإسلامية، و«المنهاج الحركي» لجماعة الجهاد، و«الحصاد المر» و«فرسان تحت راية النبي» لأيمن الظواهري، «حكم قتال الطائفة الممتنعة»، ورسائل شكري مصطفى، و«رسالة الإيمان» لصالح سرية، و«دعوة المقاومة الإسلامية العالمية» لأبي مصعب السوري، حيث يحتوي هذا الكتاب على استراتيجيات المواجهة وكيفية قيام دولة إسلامية، وكتاب «إدارة التوحش» لأبي بكر ناجي، وهذا اسم حركي، أما المؤلف الحقيقي فيعتقد البعض انه سيف العدل منسق الشؤون الأمنية والاستخباراتية في تنظيم القاعدة، والبعض الآخر يعتقد ان الكتاب من تأليف مجموعة تنتمي إلى تنظيم القاعدة، ويعد من أخطر كتب القاعدة في استراتيجيات المواجهة مع العدو، ولخطورة الكتاب قامت وزارة الدفاع الأميركية بترجمته إلى اللغة الانكليزية، وقام مركز مكافحة الإرهاب في كلية «وست بوينت» العسكرية بترجمته وتوزيعه على المسؤولين في الدوائر السياسية الأميركية، وفي وزارة الدفاع.
ويغلب على معظم الأفغان العرب الخط الجهادي السلفي الذي يكفر الأنظمة، وهم يؤمنون بضرورة تغيير الحكومات العربية بالقوة على أساس أن هذه الحكومات غير شرعية (9).
شيوخ وفتاوى
رابعا: تأثر المتطرفين الكويتيين المنتمين لجماعات الإسلام السياسي في الكويت بالفتاوى التي أصدرها عدد من رجال الدين من منظري «السلفية الجهادية»  بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١، وحرب تحرير العراق من نظام صدام حسين مثل:  الشيخ حمود بن عقلا الشعيبي، وعلي الخضير الذي ولد في مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية عام 1954. وتتلمذ على يد الشيخ حمود بن عقلا الشعيبي أثناء دراسته في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بعد ذلك درس الماجستير بفرع الإمام محمد بن سعود الإسلامية في القصيم. ويعد الخضير أحد أهم منظري الجماعات  التكفيرية في السعودية، ولكن في عام 2003، ظهر في مقابلة بإحدى القنوات التلفزيونية السعودية وأعلن تراجعه عن أفكاره التكفيرية وانتقد دعوة للخروج على ولي الأمر واعتبر العمليات الانتحارية انتحارا ومن يقوم بمثل هذه الأعمال ليسوا بمجاهدين بل بغاة وخوارج (10)، والشيخ ناصر الفهد (11)، والشيخ سلمان العودة، والشيخ سليمان بن ناصر العلوان، والشيخ ناصر بن سليمان العمر، وسلطان بن بجاد العتيبي وعيسى سعد الخالدي،  وسلطان بجاد العتيبي(12).
وجميع هؤلاء المشايخ ينتمون إلى جماعة يمينية متطرفة تعرف بـ«السلفية  الجهادية» وتدعو إلى تكفير الأنظمة السياسية وتندد بالدعم المقدم للأميركيين، وتكفر من يناصر الكفار ضد المسلمين. وترى أن هذه الأنظمة السياسية نقضت عقيدة الولاء والبراء، حيث تحالفت مع الدول الكافرة والطواغيت وأعلنت ولاءها لهم وتتبرأ من الجماعات الجهادية عن طريق الاغتيالات والاعتقالات والملاحقات البوليسية (13).
وقد أصدر منظرو «السلفية الجهادية» البيانات والرسائل تأييدا لحركة طالبان، مثل الرسالة التي أرسلها الشيخ حمود بن عقلا الشعيبي والشيخ علي الخضير والشيخ سلمان العودة لأمير الإمارة الإسلامية في أفغانستان الملا محمد عمر والتي جاء فيها «نشهد أنكم أنتم وحدكم الذين رفعتم رؤوسكم في زمن طأطأ الكثير من المسلمين رؤوسهم لدولة الكفر والصليب أميركا، فلم يتشرف المسلمون برجل قال (لا ثم لا) لما تطلبه أميركا في هذا العصر إلا بكم، فيا سعادة المسلمين بأمثالكم… فصبرتم يوم تخاذل الجميع وتبدلت العقائد وظهرت نواقص الإسلام في كثير ممن ينتسبون إليه.. أمير المؤمنين أن إعجابنا بأفعالكم ومناصرتنا لها لا ينقطع ولن ينقطع أبدا بإذن الله تعالى ما لم تبدلوا وتهنوا أو تتراجعوا، نسأل الله لنا ولكم الثبات حتى الممات، ونقول لكم لا يسوؤكم ولا يفت من قوتكم وإصراركم قول بعض المتخاذلين والمرجفين الذين ذموا صمودكم ولاموا أفعالكم، فقد قرت بكم عيون الموحدين ورضيت بكم عساكر الرحمن، فنحن من ورائكم نناصركم بكل ما نستطيع ونحرض المؤمنين على القتال في صفوفكم.. وختاما نوصي جميع المسلمين في كل مكان بمناصرة الإمارة الإسلامية في جهادها هذا ضد ملل الكفر جميعا، كما نوصي الأفغان خاصة بأن يبذلوا أنفسهم لله تعالى ويناصروا الإمارة الإسلامية ويقفوا تحت لواء أمير المؤمنين»(14).
ملاذ آمن
خامسا: تأثر الكويتيون الأفغان بكتابات أبي محمد المقدسي أو عصام برقاوي الذي ولد في بلدة برقا في نابلس عام ١٩٦٢. وهو أردني من أصل فلسطيني، هاجر إلى الكويت في وقت مبكر من عمره مع أسرته، فنما وترعرع في مدارس الكويت وانضم إلى تيار أهل الحديث الثوريين الذين ظهروا من رحم جماعة جهيمان العتيبي. وفي هذا الصدد يقول Jean  Charles Brisard: «وفي عام ١٩٨٨، نسج المقدسي روابط وثيقة مع تنظيم أخر متطرف متمركز في الكويت. لقد تمت إقامة الرابط بين هذه المنظمة (…) والإرهاب الإسلامي عدة مرات.. إنها اليوم محظورة في روسيا، وتتهمها بريطانيا العظمى بدعمها للإرهاب. وفضلا عن ذلك فإن وزارة الخزينة الأميركية قد أشارت إليها باعتبارها منظمة إرهابية، وذلك في الأول من أيلول عام ٢٠٠٢، كما جمدت الحكومة المصرية أموالها»(15).
كان المقدسي يبث أفكاره التكفيرية تجاه الحكومات الخليجية في المخيمات المنتشرة في الصحراء الكويتية التي تدار من قبل جماعات الإسلام السياسي. وفي أثناء وجوده في الكويت اصدر كتابه «إعداد القادة الفوارس بهجر فساد المدارس»، حيث هاجم في هذا الكتاب المدارس النظامية باعتبارها مدارس للطاغوت يجب تطهير النشء منها. وكان يدعو مؤيديه وأنصاره إلى إخراج أولادهم من المدارس ومن الوظائف الحكومية. وبعد اشتداد الخلافات مع زملائه بسبب سلفيته المتطرفة، غادر الكويت إلى أفغانستان عام ١٩٨٩، وعاد بعد ذلك إلى الكويت، ثم ذهب إلى الأردن (16). في عام ١٩٩٥ أسس المقدسي مع احمد الخلايلة (ابو مصعب الزرقاوي) جماعة التوحيد (بيعة الإمام) في مدينة الزرقاء في الأردن، التي تعد معقلا للتيار السلفي الجهادي، وتم تنصيبه أميرا للجماعة. وكان اغلب مؤسسي الجماعة ممن لم يكملوا دراستهم باستثناء المقدسي الذي انهى تعليمه الجامعي بإحدى الجامعات السعودية متخصصا في العلوم الشرعية. وفي العام نفسه اكتشفت السلطات الأمنية أمر التنظيم وتم اعتقال قياديي التنظيم، وكان من بينهم المقدسي الذي حكم عليه بالسجن ١٥ عاما، وبعد أربع سنوات تم الإفراج عنه بعفو ملكي. وفي عام ١٩٩٩ غادر الأردن إلى أفغانستان (17). ويؤكد محمد المقدسي عراب «السلفية الجهادية» على أن الأراضي الكويتية كانت المنطلق لظهور معظم شيوخ «السلفية الجهادية»، حيث وجد هؤلاء في الكويت الملاذ الآمن. وشارك المقدسي مع مجموعة من الإرهابيين في الهجوم الإرهابي على شركة مركز الفنون في منطقة السالمية، الذي يملكه الفنان الكويتي عبدالحسين عبدالرضا، بإطلاق عدد من صواريخ ار. بي جي. وأصدرت المحكمة على المقدسي حكما غيابيا بالسجن لمدة سبع سنوات (18).
تعددت مؤلفات المقدسي، ومنها «ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين» الذي يشبه كتاب «معالم في الطريق» لسيد قطب في درجة تأثيره وصياغته الإيديولوجية، إذ يدعو فيه إلى فكرة التوحيد لله وحده (19). وحدد المقدسي ثلاثة أساليب لتحقيق هذه الغاية تتمثل بـ:
• تكفير الحاكم إذا اظهر كفرا بواحا من خلال عزله أو تغييره لإقامة شرع الله وتحقيق التوحيد كاملا.
• مَن ضعف من المسلمين وجبت عليه الهجرة وعدم الركون للكفر وحكوماته، فلا يجوز له بحال أن يعمل في مؤسسات الدولة، العسكرية منها والمدنية.
• الجهاد وغايته القتال من اجل تحقيق توحيد الله الذي يعني البراءة من كل دين وطاغوت ومنهج وقانون ومعبود غير الله، وعداوة أهل الشرك وموالاة أهل الإيمان (20).
وكان احد المساجد مسرحا لتوزيع هذا الكتاب في بشاور(21).
ويصف المقدسي الديموقراطية في كتابه الموسوم «الديمقراطية والدين» أنها دين غير دين الله، وملة غير ملة التوحيد، وان مجالسها النيابية ليست إلا صروحات للشرك ومعاقل للوثنية، يجب اجتنابها لتحقيق التوحيد الذي هو حق الله على العبيد بل السعي إلى هدمها ومعاداة أوليائها وبغضهم وجهادهم، وان هذا ليس امرا اجتهاديا كما يحلو لبعض الملبسين أن يجعلوه، بل هو شرك واضح مستبين وكفر بواح صراح قد حذر الله تعالى منه في محكم تنزيله، وحاربه المصطفى طيلة حياته (22). ويقرر المقدسي ان الديموقراطية تعني الكفر والشرك والباطل الذي يتناقض مع دين الإسلام وملة التوحيد اشد المناقضة ويعارضه اشد المعارضة ويعتبرها كفرا بالله وشركا برب السماوات ومناقضة لملة التوحيد ودين المسلمين (23)، وفي الوقت نفسه وجه المقدسي انتقادات حادة إلى علماء المسلمين ممن تصدوا للأفكار التكفيرية ويقول: «أذكر الموحد وأنبهه إلى عدم الاغترار بعلماء الحكومات هؤلاء الذين يتجاهلون ما يدور حولهم من كفريات حكوماتهم ولا همَّ لهم إلا الهجوم على الموحدين المتبرئين من طواغيتهم الكافرين بحكوماتهم، إي والله لا تغتروا بشهاداتهم ولا بألقابهم أو لحاهم وعمائمهم» (24). وانتشرت مؤلفاته في جميع أنحاء الجزيرة العربية، وتعتبر هذه المؤلفات منفستو «السلفية الجهادية».
وقد اعترف من قام بالعمليات الإرهابية بالخبر والرياض في منتصف التسعينات من القرن المنصرم، أنهم تأثروا بمؤلفات المقدسي، وكان عبد العزيز المعثم احد المشاركين بهذا العمل الإرهابي قد اعترف أثناء اعتقاله للسلطات الأمنية السعودية انه التقى المقدسي في الأردن واخذ منه مؤلفاته وعمل على نشرها في منطقة الخليج والجزيرة العربية (25).

سادساً: التأثير الوهابي السلفي المنطلق من احدى الدول الخليجية، عن طريق انتشار ظاهرة أشرطة الكاسيت والكتيبات والمنشورات والفتاوى ذات الرؤية والطابع السلفي المتشدد، التي انتشرت بشكل كبير بين الشباب الإسلامي، وكذلك شيوع ظاهرة المعسكرات الربيعية التي أقامتها ورعتها جماعات الإسلام السياسي في الكويت، التي يتم فيها حشد شباب صغار السن للاستماع إلى المحاضرات التي يلقيها عدد من أمراء السلفية الجهادية، والتي تتضمن خطابا سلفيا متشددا. وقد ووجه تواجد هؤلاء في الأراضي الكويتية بانتقادات التيار الليبرالي للسلطة التي لم تمنع هؤلاء من دخول الأراضي الكويتية، فلعبوا دورا كبيرا في التأثير في الشباب الكويتي، وبعد ذلك اصدر مجلس الوزراء قرارا بمنع ٢٦ داعية من الخطابة وإلقاء الدروس الدينية في مساجد الكويت (26)، لكن هذا لم يمنع جماعات الإسلام السياسي من استضافة هؤلاء في منتدياتهم السياسية ومخيماتهم ومراكزهم المنتشرة في الصحراء الكويتية، حيث واصلوا نشاطهم في غرس الأفكار المتطرفة والتكفيرية في عقول الشباب المسلم.

اللائحة السوداء

سابعاً: الدور الذي لعبه بعض خريجي الجامعات السلفية من الكويتيين، الذين أصبحوا بعد تخرجهم جزءا من أعضاء هيئة التدريس في كلية الشريعة، والمتأثرين بالفكر السلفي الجهادي الذين يصفهم الدكتور حمد بن إبراهيم العثمان (المدرس في كلية الشريعة) بأنهم من أصحاب الفكر المنحرف، حيث دعا بعض الدكاترة في هذه الكلية بشكل علني كما يذكر العثمان «بأن حكامنا اليوم لا سمع لهم ولا طاعة» ويتم توزيع المنشورات التي تدعو إلى الأعمال الإرهابية مثل المنشور الذي يتهم من يفتي بعدم جواز قتل المعاهدين بأنه كافر (27). واعتبر احد أعضاء هيئة التدريس في كلية الشريعة أن علماء الأمة المعول عليهم هم الشيخ حمود بن عقلا الشعيبي، صاحب الفتوى المشهورة بإهدار دم أحد المطربين الكويتيين، والشيخ ناصر الفهد صاحب كتاب «التبيان في كفر من أعان الأمريكان»، والشيخ خالد الخضير الذي أفتى بجواز قتل رجل الأمن، والشيخ ناصر العمر، والشيخ سلمان العودة (28). ويؤكد الدكتور حمد العثمان أن كلية الشريعة تحتضن رؤوس المتطرفين وتدعوهم إلى المؤتمرات التي تجريها الكلية كما صرح احد الدكاترة الذي قال «لتكن عندنا طائفة تكفر وتفجر، وطائفة تستنكر»(29).
وجدير بالذكر ان مجلس الأمن الدولي ادرج اثنين من المواطنين الكويتيين في لائحة العقوبات الدولية الخاصة بتنظيم القاعدة وهي اللائحة التي تعرف باسم اللائحة السوداء للإرهاب، وذلك ضمن قرار تبناه المجلس بالإجماع تحت الفصل السابع يستهدف الإسلاميين المتطرفين في سورية والعراق، وأحد هذين مدرس في كلية الشريعة سبق للولايات المتحدة أن أدرجته في قائمتها السوداء للأشخاص المرتبطين بالإرهاب، بصفته ممولا لـ«جبهة النصرة»، ووصف بأنه يعتبر مهندس عمليات تمويل «جبهة النصرة» في سورية، ويشتبه في انه يتنقل دوما بين الكويت وسورية لنقل أموال وتجنيد كويتيين لتولي مواقع قيادية في التنظيم. أما الآخر فقد أدرج في القائمة لصلاته بتنظيم القاعدة والجماعات المرتبطة به. وهو متهم بـ«تمويل وتخطيط وتسهيل أو تنفيذ أعمال على علاقة مع، أو باسم كل من تنظيمي جبهة النصرة والدولة الإسلامية». كذلك تضمنت لائحة اعلنتها السعودية والامارات والبحرين ومصر، بعد الخلافات التي نشبت بين هذه الدول ودولة قطر، التي اتهمتها بأنها حاضنة للجماعات الارهابية، اسماء 57 شخصا تم تصنيفهم على انهم ارهابيون وكان من بين هذه الاسماء ثلاثة كويتيين.
من هذه المنابع التكفيرية والمنظور الإرهابي التكفيري ظهرت الجماعات الإسلامية المسلحة في الكويت والتي نلقي الضوء عليها في الحلقات المقبلة.

هوامش
1 – ناصر الحزيمي، أيام مع جهيمان، ص 42-43
2 – Thomas Hegghammer & Stephane Lacroix, Rejectonist IslamIsm In saudi Arabia 2007: 5 -6
3 – الحزيمي، ص 2011، 72.
4 – يحيى الامير اخرجوا {الوطن} من جزيرة العرب ايام الارهاب في السعودية، 2007 ، ص 56.
5 – Hegghammer & Lacroix, 5-6
6 – الأمير، ص 56.
7 – الأمير، ص 60.
8 – مذكراتي مع الاخوان المسلمين في الكويت، ص 49 – 55
9 – ابو العلا ماضي، جماعات العنف المصرية وتأويلاتها للإسلام، ص 48
10 – خالد المشوح، التيارات الدينية في السعودية، ص 73
11 – مجلة الحجاز، 15 مارس 2003، المشوح، ص 74
12 – المشوح، ص 74
13 – تركي الدخيل سلمان العودة من السجن إلى التنوير، 2011، المشوح ، ص 42. احمد الكاتب، الفكر السياسي الوهابي قراءة تحليلية: 224 – 225
14 – الكاتب، مرجع سابق، ص 225 – 226
15 – Jean Charles Brisard, Zalqwi the new Face of Al-Qaeda, and miemartinos, 2005 : 18
16 – صحيفة دنيا الوطن، 7 يوليو 2005
17 – المرجع السابق
18 – حازم الامين، السلفي اليتيم الوجه الاخر لـ{الجهاد} العالمي والقاعدة، ص 125، شبكة انا المسلم للحوار الاسلامي.
19 – جريدة الشرق الاوسط، 14 يناير 2004.
20 – مرشد النجدي، الكواشف الجلية ، ص 229 – 230
21 – صحيفة دنيا الوطن، 7 يوليو 2005
22 – في الكاتب، مرجع سابق، ص 337
23 – المرجع السابق، ص 7
24 – النجدي، ص 230-231
25 – دنيا الوطن، مرجع السابق
26 – جريدة الحياة، 3 فبراير 2005
27 – جريدة القبس، 1 فبراير 2005
28 – المرجع السابق
29 – المرجع السابق

الحلقة الخامسة:
التكفير والهجرة وجماعة جهيمان العتيبي

الحلقة الثانية

الحلقة الثالثة

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

الصندوق الأسود

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock