تعليم «مغشوش» في جامعة الكويت
عائشة الجيار -  القبس الإلكتروني  

لم يخف الطالب راشد الحريجي انزعاجه بعد حصوله على درجة أقل مما كان يتوقعها عن بحثه العلمي الذي قدمه ضمن مقرر إحدى المواد الدراسية في كليته. فراشد الذي يدرس مادة التاريخ في كلية التربية بجامعة الكويت أجرى بحثه بنفسه. غير أن نتيجته جاءت  مخيبة لآماله بحسب حديثه، مقارنة بالدرجات التي حصل عليها زميلاه سعود ونايف، اللذان اشتريا بحثيهما من مراكز خدمات الطلاب المنتشرة بالقرب من مقر الجامعة.

في غياب رقابة وزارة التجارة والصناعة، تبيع هذه المكاتب أبحاثا أكاديمية للطلبة في بلد تصرف حكومته مكافأة شهرية قيمتها ٢٠٠ دينار كويتي / نحو٦٥٠ دولار لكل طالب وطالبة. إذ تستفيد هذه المكاتب من وجود 17 كلية في الجامعة تضم نحو 37 ألف طالب، لتحقق أرباحاً من خدمات تخالف شروط الترخيص التي أنشئت من أجلها، الأمر الذي يؤثر على عدالة تقييم الطلاب في العملية التعليمية،  بحسب ما يكشف هذا التحقيق الاستقصائي الذي استغرق إنجازه نحو الثلاثة أشهر.

يقول  الحريجي الذي قرر الإعتماد على نفسه والبحث طويلاً في الانترنت: حصلت على 14 من 20 عن بحث استغرق العمل عليه شهراً كاملاً، بينما حصل سعود على 19 ونايف على العلامة الكاملة 20، وكل ما فعلاه هو شراء البحث من مكتب لخدمة الطلاب".  "الأمر لم يكن سهلاً، لكنّي الآن أشعر بخيبة أمل».

لم يستسلم راشد. واتجه محتجاً لأستاذ مادة البحث: "سألته لماذا أخذت هذه الدرجة رغم أنّي بذلت جهداً كبيراً، فكانت إجابته أن بحثي لم يستوف المعايير المطلوبة. حينها فضّلت الصمت، لأنني لا أريد أن أخبره عن زميليّ  اللذين منحهما علامات كبيرة على بحثين اشترياهما، لكي لا أقع في حرج معهما».

تحدد وزارة التجارة والصناعة عمل هذه المراكز بتقديم خدمات الطباعة والتصوير، وأحيانا الترجمة. بيد أن معدة التحقيق وثقت، طوال ستة أشهر، مخالفات هذه المراكز لشروط ترخيصها، بإجرائها أبحاثا أكاديمية، وبيعها للطلاب، بسعر يتراوح غالباً بين ١٥ و٢٠ دينارا (مرتبط بعدد صفحات البحث).

          

 "حماية فكرية" للبيع
                     

تطوّع محمد، وهو شاب في سن الدراسة الجامعية، لمساعدتنا على إثبات أن هذه المكاتب تعد الأبحاث الجامعية للطلاب بمقابل مادي، وتوثيق عملية البيع.

كان الوقت نهارا دراسيا في أبريل الماضي، عندما اصطحبته مع مصور صحفي إلى مكتب على مسافة 1.9 كم أو نحو أربع دقائق بالسيارة من كلية التربية في منطقة كيفان، (خريطة الموقع)، ويقدم خدمات الترجمة المعتمدة والطباعة والتصوير.

على بعد خطوات من المكتب، وقفت وزميلي المصور الذي وثّق بالفيديو عملية التعاقد وتفاوض محمد لشراء البحث. وكانت المفارقة أن محمد طلب من الموظف المختص إعداد بحث لشقيقته بعنوان "حقوق الملكية الفكرية للمؤلف"، وهو عنوان يتناقض ويصطدم تمامًا وصميم عمل هذه المكاتب.

تفاوض الموظف الذي يجري الأبحاث مع محمد مبدياً صعوبة المهمة: "هذا البحث يحتاج مراجع قانونية وكثيرا من العمل، وسيكلفك 20 دينارا (60 دولارا) لو كان 10 صفحات، و15 دينارا (45 دولارا تقريباً) لو كان سبع صفحات وتستلمه بعد أسبوع".

غير أن محمد طلب  من الموظف أن يؤكد له حصول شقيقته على درجة تقييم عالية، وألا  يكون البحث على طريقة الـ (copy & paste) من مواقع الإنترنت، فرد عليه الموظف:"الموضوع ليس سهلا، ولكن أنا واثق من النتيجة، و بنعمل اللي علينا".

   دفع محمد ١٠ دنانير مع استلام فاتورة بالمبلغ على أن يتم دفع الباقي عند الاستلام، وهو ما تم فعلا بعد أسبوع، واستلمنا البحث تحت عنوان: "حقوق الملكية الفكرية للمؤلف".  أنقر هنا لرؤية البحث

 

(فيديو التوثيق)  

تحايل صعب الكشف

تظهر نتائج استبيان أجريناه على عينة من ٢٢٢ طالبا وطالبة في خمس كليات  (التربية، العلوم الإدارية، الحقوق، الهندسة والعلوم)، أن ٣٣٪ من الطلاب يشترون الأبحاث من هذه المراكز. 

001


وطبقاً لبيانات "دليل الصفحات الصفراء"، توجد في الكويت 75 شركة ومؤسسة تختص بالتجارة العامة التي تشمل الطباعة، أو الطباعة والتصوير. ويعمل كثير من هذه الشركات في تقديم الخدمات الطلابية، التي تشمل- بالمخالفة للقانون- اعداد الأبحاث الجامعية.                               

ويصعب كشف هذه الأبحاث لدى أساتذة الجامعة، لكن بعضها تم كشفه، كما حدث مع الدكتورة أمل الأنصارى أستاذة الإدارة والتخطيط التربوي في كلية التربية.

اكتشفت الدكتورة أمل شراء طالبين بحثيهما، وقالت إنهما اعترفا لها بذلك. لكن "لا توجد عقوبة محددة للطالب الذي يكتشف أنه أشترى بحثه، إذ أن طريقة التعامل معه تختلف من أستاذ لآخر".  و تحتل كلية التربية، التي تعمل فيها الدكتورة أمل الأنصارى المركز الأول في الاعتماد على الأبحاث المشتراه،  طبقاً لنتائج الاستبيان الذي أجريناه.

002


ولا توجد في جامعة الكويت، لائحة تنص على عقاب محدد في هذه الحالة، حسب ما أكد لنا أساتذة في تخصصات مختلفة في الجامعة نفسها. وأتفقوا جميعهم على أن الأمر متروك لتقدير الأستاذ الجامعي. وينقل الدكتور خضر بارون أستاذ علم النفس في كلية الآداب جامعة الكويت عن أحد زملائه أن طالبا قدّم له البحث في الظرف نفسه المكتوب عليه اسم مكتب الخدمات وأرقامه. و لتجنب هذا الأمر لجأ بارون لأسلوب آخر: "غيرت من شكل الأبحاث التقليدية، ووضعت لها معايير في محاضراتي لابد من اتباعها، وهو أمر يصعب أن تنفذه مكاتب إعداد الأبحاث".

د. علي الزعبي أستاذ الأنثروبولوجيا في كلية العلوم الاجتماعية في جامعة الكويت مرت عليه حالات كثيرة لطلاب اشتروا أبحاثا من مكاتب خدمة الطالب. إذ يقول: "نكتشفها من أسلوب كتابة البحث الذي يختلف عن أسلوب الطالب وأيضاً اتباعهم نظام (copy&paste) فيكون البحث عبارة عن فقرات غير مترابطة، وأذكر أن إحدى الطالبات قدمت بحثا كتب في نهاية إحدى فقراته: لمزيد من المعرفة الرجاء مراجعة كتابنا المنشور عام 1961" فسألتها هل لك كتاب في هذا العام؟".

 

واتبعت الدكتورة وفاء الياسين أستاذة اللغة الانجليزية في كلية الآداب بجامعة الكويت، أسلوبا مختلفا: "أعلّم طلابي كتابة البحوث، ونفعل الأمر معاً أثناء المحاضرات، ونتناقش، وبالتالي لا فرصة لدى الطالب ليشتري البحث. علاوة على أني أعطي الدرجة الأكبر على كيفية عرض البحث ومناقشته أمام الطلبة".

ويتفق الدكتور فواز العجمي أستاذ الإعلام في جامعة الكويت مع الدكتور خضر والدكتورة وفاء على أن "هذا عمل غير أخلاقي يستوجب عقابا رادعا لمرتكبيه". ولكن العقاب الرادع الوحيد الذي يناله الطالب "هو بإعطائه صفراً في درجة البحث"، حسب تأكيدات كل من الدكتور علي الزعبي والدكتور خضر البارون.

003


 

مقارنة

على بعد 23 كم تقريباً من جامعة الكويت، تقع الجامعة الأمريكية في الكويت التي تطبّق نظاما لتتبع كشف الأبحاث المسروقة أو المقتبسة في بعض أجزائها.

وتقول رئيس قسم الإدارة في كلية إدارة الأعمال في الجامعة الأمريكية في الكويت د.اثمار السالم: "نطبق نظام turnitin  لكشف الأبحاث المسروقة كليا أو جزئيا. هذا بروتوكول متبع ومفترض أن يتبعه الأساتذة في الجامعة. أضع جميع أبحاث طلابي في الموقع للتأكد منها، وبالفعل اكتشفت حالات لطلاب لم يجروا الأبحاث بأنفسهم".

وتعتبر لائحة الجامعة الأمريكية هذا العمل مشابها للغش. وفي حالة تصعيد الموقف للإدارة يمكن أن يتم فصل الطالب، حسب قول الدكتورة اثمار، التي لا تحبذ الفصل، وترى "أن يُحرم الطالب من درجة البحث كاملة".

في جامعة الملك فيصل  في السعودية، يمكن للأساتذة الجامعيين اكتشاف الاحتيال ونسخ الأبحاث الجامعية من خلال خدمة ITHENTICATE، التي تتيح التحقق من نسبة الانتحال العلمي في الأبحاث التي يجريها طلاب التخصصات الأدبية.

وتواصلت معدة التحقيق مع جميع الجامعات الخاصة في الكويت، وعددها تسع جامعات، غير أن ثلاثا منها فقط تجاوبت، وهي الجامعة الأمريكية وجامعة الخليج والكلية الأسترالية، وأجاب المسؤولون عنها بأنهم يطبقون برنامج turnitin الخاص بتتبع الأبحاث.

 

تعاقد آخر

(تسجيل صوتي 1)

وللتأكد من أن الأمر يشكل ظاهرة، أجرينا مسحا شمل ثمانية مكاتب أخرى في مناطق مختلفة، بعضها قريب من الجامعة، في الخالدية وكيفان  والعديلية والنزهة، وبعضها الآخر على مسافة أبعد، في الرميثية السالمية. واتفقنا على شراء بحث جامعي مع ثلاثة مكاتب . ورغم أن موضوع البحث واحد، فإن الأسعار اختلفت من مكتب إلى آخر. في المقابل، رفضت ثلاثة مكاتب أخرى إجراء البحث، وقال لنا أحد الموظفين: "لا نجري هذه الأبحاث، والشركة تمنع مثل هذه الممارسات". وتبين لنا من المسح أن المكتب السابع يعد الأبحاث لطلاب المدارس فقط،  فيما توقف المكتب الثامن عن إجراء الأبحاث لأن الشخص الذي كان يعدها ترك العمل، حسب ما أخبرنا أحد العاملين فيه.



(تسجيل صوتي 2)

 

 محاولة ترخيص

 

ولا يبدو استخراج ترخيص لمثل هذه المكاتب أمرا صعباً، وهو الأمر الذي اكتشفناه عندما حاولنا الحصول على ترخيص لإنشاء مكتب خدمات طلابية. توجهنا إلى مركز إصدار التراخيص التجارية في محافظة حولّي، وهو مركز تابع لوزارة التجارة، وسألنا الموظفة المختصة عن شروط استخراج الترخيص، فأجابت: "لا توجد شروط محددة لطالبي الترخيص غير تلك الشروط العامة التي تنطبق على أي محل تجاري".

 

أبحاث دليفري

ولم يقتصر الأمر على عمل المراكز فقط، بل تعداه إلى العالم الافتراضي (الإنترنت)، إذ يمكن للطلاب، بكل سهولة، تكليف آخرين بعمل الأبحاث نيابة عنهم من خلال مواقع إلكترونية توفر أرقاما للتواصل معها عبر الواتس آب. وتواصلت معدة التحقيق مع أحد هذه المواقع، الموجود في الكويت، واتفقت كذلك على إجراء بحث بكل سهولة.                                    

في العام 1996، وبعد شكاوى من وزارة التربية حول شيوع هذه الظاهرة، أطلقت وزارة التجارة حملات على مكاتب الطباعة والتصوير، وخالفت ستة مكاتب، وحظرت نشر أي إعلانات لعمل الأبحاث للطلبة في الصحف أو بأي وسائل أخرى. وفي عام 1999 طلب عميد كلية العلوم الإدارية حينها الدكتور يوسف الابراهيم من وزارة التجارة اتخاذ موقف من قيام المكاتب بعمل أبحاث للطلبة، وبناء عليه أغلقت وزارة التجارة  أربعة  مكاتب للطباعة والتصوير. وفي عام ٢٠٠٧ تكرر الأمر بإغلاق ثلاثة مكاتب ومخالفة 32 مكتبا آخر لقيامهم بعمل الأبحاث ما يخالف شروط ترخيصها، غير أن هذه المكاتب تعود في كل مرة لممارسة المخالفة نفسها، وتجري أبحاثاً للطلبة مقابل المال.

يقول الدكتور يوسف الابراهيم الذي عمل وزيرا للتربية والتعليم بين عامي 1999 و2001 : "بين عامي 95 و 99 وجدت أنا وزملائي في كلية العلوم الإدارية أن ظاهرة عمل الأبحاث للطلاب استفحلت، وكنت حينها عميداً للكلية، حتى أن إعلاناتهم وصلت دون حياء لداخل الكلية، وكان الحل هو الاتفاق مع أعضاء هيئة التدريس على أن يعرض الطالب بحثه مع مناقشته داخل الفصل".

ويرى الإبراهيم ضرورة أن يدرس الطلاب في الجامعة مادة "تعلمهم كيفية إعداد البحث العلمي لتطوير قدراتهم".

 

"التجارة" تجيب والجامعة تتجاهل

واجهت معدة التحقيق مدير الرقابة التجارية في وزارة التجارة ناصر المطيري بالنتائج التي توصل لها التحقيق، حيث قال إن "المراقبة تتم بشكل يومي"، موضحاً أن المراقبين "يتنكرون في شكل طلبة أو ذويهم ويطلبون عمل أبحاث لهم، وإذا وافق المكتب على عمل البحث يكشفون هويتهم الوظيفية و يحررون محضرا له، لممارسة نشاط غير مسموح به".

يوضح المطيري قائلا: "يعطي المكتب المخالف مهلة أسبوعين لتعديل وضعه، أي إزالة المخالفة، ويتم الكشف على المكتب في جولات مفاجئة، وإذا استمرت المخالفة، يخالف للمرة الثانية، ويعطي مهلة لمد أسبوع، ثم المخالفة الثالثة يغلق المكتب ويعطي مهلة لتعديل وضعه لمدة شهر، وفي المخالفة الرابعة يسحب ترخيصه". وينبه المطيري أساتذة الجامعة والطلاب وذويهم إلى ضرورة الإبلاغ عن هذه المكاتب.

كان تفاعل وزارة التجارة، وخاصة إدارة الرقابة التجارية سريعاً، ولم تنف المشكلة، بل واجهتنا وطلبت منّا أن نتقدم لهم بما لدينا من معلومات، لكن الطرف الآخر في المعادلة، وهو جامعة الكويت لم يكن كذلك. تجاهلت إدارة الجامعة أسئلتنا رغم محاولات معدة التحقيق، التي تواصلت لمدة ثلاثة أسابيع، وبشكل يومي، مع مكتب مدير الجامعة الدكتور حسين الأنصاري، ثم توجهت لمكتبه وسلمت كتابا رسميا، وأدخلته في بريد مدير الجامعة، برقم وارد 9910 وبتاريخ 11 يوليو 2017، وحتى كتابة السطور الأخيرة في التحقيق يرفض مدير جامعة الكويت الرد.

وفي مقابل تجاهل مدير جامعة الكويت، أبدى وكيل وزارة التعليم العالي د. حامد العازمي تجاوبا في الحديث عن دور وزارة التعليم العالي في القضاء على ظاهرة شراء الأبحاث، وقال: "الوزارة تشرف على مؤسسات التعليم العالي، لكن جامعة الكويت لها خصوصية منحها إياها قانون ٢٩/١٩٦٦، لذلك يجب أن يخاطب مدير الجامعة وزير التعليم العالي ثم نخاطب وزارة التجارة لاتخاذ إجراء، فهو تعاون ثلاثي مشترك". وعن عدم وجود لائحة عقاب رادعة للطلبة الذين يقدمون أبحاثاً ليست من جهدهم، وهل يمكن أن يقترحوا قانونا يعالج هذا الأمر، قال: "هذا من اختصاص جامعة الكويت ومجلس الجامعة".

يدرك الطالب الحريجي، أهمية كل درجة يحتاجها لرفع معدله، كما يدرك أن من السهل الحصول على تلك الدرجات باللجوء لشراء الأبحاث. لكنه يؤكد على رفضه هذا الأمر بشكل قاطع: "نعم أحتاج لتلك الدرجات، ونعم أشعر بالغبن لأن زملائي حصلوا على درجات أعلى منّي، لكنني لن ألجأ لتلك المكاتب أبداً، لسببين أولهما هو الأمانة العلمية، فكيف أقدم بحثا هو نتاج مجهود بذله غيري؟ والسبب الثاني: ماذا لو سألني أستاذ المادة فيما قدمت أو ناقشني فيه؟ أفضل أن أقدم ما حصلته بنفسي وأعلم كل حرف فيه حتى لو حصلت على درجة أقل".

أُنجِزَ هذا التحقيق بدَعم من شبكة «أريج» إعلاميّون من أجل صحافة استقصائية عربية وبإشراف الزميل حمد العثمان.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات