يخطط الأذكياء وينفذ الأغبياء ويستفيد أصحاب المصالح. والمؤامرة هي جريمة لغاية سياسية أو اقتصادية، وربما اجتماعية. وهي تختلف عن الموالاة الحزبية العقائدية أو التحالف السياسي والعسكري، لأنها ضد القانون والأخلاق.
إن العرب هم أكثر الشعوب التي تعتقد بنظرية المؤامرة، وقد يرجع ذلك إلى طبيعة الإنسان العربي الذي تتحكم فيه عزة النفس ولا يرغب في الاعتراف بالخطأ. إن العرب ليسوا الوحيدين الذين تعرضوا إلى الاستعمار والمؤامرات وظلم التاريخ. كل شعوب الأرض أو معظمها تعرضت إلى ما تعرض له العرب، وبعض الشعوب واجهت في تاريخها أسوأ مما تعرض له العرب، ولكنهم واصلوا مسيرتهم التاريخية وحققوا انتصاراتهم ونهضوا، والأمثلة كثيرة.
لقد زاد استعمال تعبير نظرية المؤامرة بعد أن استولت الأنظمة العسكرية على السلطة من أجل أن تغطي فشلها في إدارة شؤون الدولة، وهزائمها في الحروب. فاليابان والهند، على سبيل المثال، تم استعمارهما وقاستا من الاستعمار أكثر من العرب، ولكن شعبيهما سارا في طريق التقدم ولم يلتفتا إلى الوراء. فالهند تعلمت من الاستعمار عِلم إدارة الدولة والديموقراطية، وبعد الاستقلال انضمت إلى الكومنولث البريطاني. أما اليابان، فقد تعرضت إلى الغزو الأميركي الأول عام 1854من خلال الحملة البحرية بقيادة الكابتن مثيو بري وهي الحملة الثالثة، وظل يفاوض ويهدد من أجل توقيع اتفاقية تجارية وإنشاء قنصلية أميركية من أجل فك الحصار الذي فرضته اليابان على نفسها. ذلك الحصار الذي دام أكثر من قرنين من الزمن. وظل الكابتن بري يهدد بقصف العاصمة (ييدو الاسم السابق) طوكيو لفترة عامين. وفي النهاية، وافقت اليابان على شروطه، ولكن طلبت منه من أجل حفظ ماء الوجه أن تكون القنصلية في مدينة شيمودا التي تبعد 200 كلم جنوب طوكيو. عندما قمت بزيارة شيمودا أثناء عملي سفيراً في اليابان، زرت مبنى القنصلية الذي تحول إلى متحف يحتوي على مقتنيات القنصلية، وصورة كبيرة لأول قنصل وضعت تحتها عبارة سبق أن كتبها القنصل تقول: لم أستطع النوم ليلة البارحة، لأن الناموسة طولها سم. ثم ذهبت إلى الساحل، ووجدت على مسافة قرابة 50 م من البحر تمثالاً للكابتن بري وضع في المكان الذي وطأت قدماه عليه عند نزوله إلى الشاطئ.
بعد الاتفاقية الأميركية - اليابانية، تم توقيع اتفاقيات مع دول أوروبية أخرى، وبعدها كثر عدد القناصل والتجار في مدينة يوكوهاما، وانتهت عزلة اليابان. سبب العزلة هو المحافظة على الإثنية اليابانية، والحد من نشاط التجار الهولنديين، لأن بعضهم كان من رجال الكنيسة الذين نجحوا في تنصير أعداد من اليابانيين، ولكن بين الحين والآخر تشن حملة عسكرية يابانية على من تنصر لإبادتهم، ولكن بقي البعض منهم لأنه كتم سره. فلسفة الكونفوشيوسية والبوذية والشنتو تسمح للياباني بأن يكون بوذياً ومسيحياً في الوقت نفسه. في الفلسفة اليابانية أيديولوجية الكوكوتاي، مشاعر قومية متشددة ترتكز على مفهوم الأمة والعائلة والدولة، ومن أهم مبادئها أن أرض اليابان مقدسة، ولا يجوز أن تدنسها أقدام الغزاة. وفي عام 1868 - 1912 تولى الإمبراطور موتسو هيرو (جد الإمبراطور الحالي) ولقب بالميجي، أي المصلح المتنور. وفي عهده انتصرت اليابان في حربها على كوريا والصين وروسيا.
يتبع..

أحمد غيث
سفير سابق

 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات