وأنا سفير للكويت في موسكو، وبعد مقابلتي للرئيس عبدالفتاح إسماعيل، ذهبت إلى وزارة الخارجية السوفيتية لمقابلة السفير سيتيانكو مدير دائرة الشرق الأوسط. وكان تربطني معه علاقة جيدة من خلال دعواتي له. وعلى الأخص أثناء زيارات السيد ياسر عرفات إلى موسكو، حيث كنت السفير العربي الوحيد الذي يقيم حفل عشاء تكريماً له لكونه يمثل الشعب الفلسطيني.
نقلت إلى سعادته تمني وزارة الخارجية الكويتية أن يصوت مندوب الاتحاد السوفيتي بالموافقة على انضمام البحرين إلى الأمم المتحدة. رحّب السفير بطلب الكويت. وقال سنصوت فعلاً بالموافقة. شكرته وقلت له سأبلغ الكويت بموقف الاتحاد السوفيتى، ثم قلت له؛ سأطلعك على موضوع حدث معي حول الموضوع نفسه مع السيد عبدالفتاح إسماعيل. ورويت له موقف الرئيس عبدالفتاح. ابتسم وقال: أتعرف ما سبق أن قاله الرفيق لينين؟ قلت: لا. قال: لقد قال لينين في كتاب له إن هناك بعضاً من اليسار يسيئون إلى اليسار أكثر من غلاة اليمين. أرسل إلي نسخة من الكتاب. ثم علمت إنه تمت ترجمته إلى العربية بعنوان الطفولية اليسارية، أو اليسار الطفولي.
من المحزن أن السيد عبدالفتاح قتل عام 1985 أثناء اجتماع مجلس قيادة اليمن الجنوبي على إثر خلاف قبلي. أما السفير أحمد الشاعر فقد لقي حتفه مع عدد من زملائه بعد انتهاء مؤتمر لدبلوماسيي الجنوب عام 1972، حيث تمت دعوتهم للقيام بجولة بالطائرة في سماء اليمن الجنوبي. وانفجرت الطائرة في الجو. وأشيع أنها فجرت.
أما في طوكيو، فقد لمست هناك المواطنة الحقيقية عند اليابانيين. ففي عام 1983 عندما تعرضت كل من السفارتين الأميركية والفرنسية في الكويت لحوادث تفجير، استدعيت العقيد آبيه المسؤول عن أمن السفارات وأطلعته على ما حدث في الكويت. ولكني وجدته مطلعا على تفاصيل الحدث. ثم بينت له مواقع ضعف أمن مبنى السفارة. فقال بشكل واضح إن السفارة والعاملين فيها بأمان كامل. وأضاف: لا داعي للحذر أو الخوف. سألته عن الأجانب، خصوصاً الطلاب. قال كل شيء تحت السيطرة. ثم قلت له ماذا عن «الياكزا» (المافيا اليابانية)؟ ضحك وقال: يظهر أن السفير لم يتعرف على اليابان جيداً. إن «الياكزا» أناس يابانيون، قد يتهمون ببيع المخدرات، أو التجارة بالأسلحة، وأحيانا يتقاتلون في ما بينهم في الشوارع كما سبق أن حدث في أحد الأيام في شارع سفارتكم، ولكنهم مواطنون يابانيون، لن يقبلوا بأن تمولهم جهة أجنبية للقيام بعمل عدواني ضد مؤسسة أجنبية على أرض اليابان. وختم حديثه وقال: أنت وأعضاء سفارتك استمروا في برامجكم وتجولوا حيثما شئتم ولا تخافوا.
وحول المواطنة اليابانية أود أن أذكر أيضاً، بعد فترة من الزمن ألقي القبض على خمسة أشخاص، أحدهم برتبة جنرال، كانوا يعملون في وزارة الدفاع اليابانية ووجهت لهم تهمة التجسس لروسيا. وقد سبق أن كان الجنرال أسيرا عند الروس أثناء الحرب العالمية الثانية، حزن اليابانيون عندما نشر الخبر. وكان سبب حزنهم الشديد واستغرابهم أن هناك يابانيا يخون وطنه. ولكن في التحقيق مع الجنرال قال: لم أقدم معلومات عن اليابان، بل قدمت إلى الروس معلومات عن تسلح الصين على الجبهة الصينية مع روسيا. وكانت غايتي ألا تقوم حرب بين الجانبين وتتضرر اليابان. أليست هذه قمة المواطنة؟!
الإعلام الياباني كان يتحدث وينشر كل المواضيع (ما عدا الأمنية) ويسمي الأشياء بمسمياتها.
أحمد غيث *
* سفير سابق

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات