أتى الخميس، الذي لا تخلو فيه مائدة الغداء من الذي عودت «طبّاخك» أن يحضره لك عصرية كل خميس منذ توليه العمل، لتستيقظ في صباح هذا اليوم مملوء اليقين بأنك ستتناول ما اعتدت على تسميته بـ«وجبة الخميس». فها أنت في عملك تسرح بالتفكير وقد تزاولت أمام ناظريك الوجبة فتعد الساعات متلهفا لموعد عودتك إلى المنزل. ولكن جرت الرياح بما لم تشته السفن، فقد وصل للتو خبر الوعكة الصحية التي يعانيها طباخك والتي هيجت لديه التهاب الجيوب الأنفية نتيجة الغبار الذي سيطر على أحوال الطقس، فتحزن لا على مرضه فقط بل أيضا على حقيقة أنه قد تم استبدال الوجبة المعتادة بطبق الـ «معدس» الذي لا تجيد عاملة المنزل تحضير طبق غيره.
ومنذ تلك الحادثة التي نكست توقعاتك، وأنت مسلم في تيقنك بطبق يوم الخميس، فلا تطمئن قبل أن تتأكد من أحوال الطقس ولو من شباك مكتبك؛ لتعرف حينها إذا ما كان بمقدور الطباخ العزيز أن يباشر عمله. فتيقنك الذي أعتاد ربط عامل «الخميس» بنتيجة الطبق ذاته اليوم وبسبب حادثة جديدة يربط «الطقس» كعامل آخر. فكلما زادت الأحداث زادت العوامل التي يصنع فكرك فيها أنماطا ترسم تيقنك بشيء سيحدث مستقبلا. قد تساهم تلك العوامل في تقوية أو إضعاف تيقنك، وذلك حسب ما مررت به من أحداث وخبرات راسخة في ذاكرتك.
ماذا لو افترضنا أن هذا الطبق عبارة عن سعر سهم شركة مساهمة مدرجة، وأن الطقس عبارة عن سعر سهم شركة أخرى منافسة؟ وماذا إذا زادت تلك العوامل والملاحظات؟ فالـ «الطبق» و«طبّاخك» لم يكونا في حديثنا إلا مثالا يشرح أساس التحليل الفني، الذي يصنع أنماطا بواسطة معلومات سابقة مبنية على عوامل تاريخية تمت ملاحظتها. أنماط يمكن التنبؤ من خلالها عما سيحدث مستقبلا. كثر مديرو المحافظ، وزاد علمهم في استخدام تطبيقات حديثة تساعد في تحليل تحركات أسعار الأسهم أو السلع أو العملات. ولكن ما يثير الريبة هو أن أغلبية هؤلاء المديرين لا يدركون آليات الاستنتاج وأن الأمر ببساطة مماثل لحالة الـ «الطبق» مع «طبّاخك».
فالتحليل الفني يعتبر تحليلا إحصائيا يدرس معطيات ونتائج لملاحظات عديدة، مستخرجا منها معادلة رياضية ترسم نمطا يمكن استخدامه بمعطيات جديدة للتوصل إلى نتائج مستقبلية. وكلما زادت الملاحظات وتقاربت نتائجها زاد التيقن معها طرديا بالنتيجة المستقبلية للمعطيات الجديدة. فإن تكررت عليك حادثة وعكة الطباخ تزامنا مع كل يوم مثار بالغبار، فستتيقن حينها من عدم تناولك لطبقك المفضل في أي يوم مغبر ولو كان يوم خميس. أما إن تكرر الغبار مرات عدة في حين أن إصابة الطباخ بالوعكة لم تتكرر بالتزامن مع أحوال الطقس، فسيكون يقينك معلقا بين البينين في حضور الوجبة المعتادة على مائدة يوم الخميس!

عبدالله بن سالم السلوم
abdullah.com.kw
alsalloumabdul@alqabas.com

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking