القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / كتاب وآراء / الصَّمْتُ.. فضيلة إنسانية

الصَّمْتُ.. فضيلة إنسانية



قلتُ:
صمتٌ ليس صمت الأموات
فيه التعقلُ والتجملُ والحياة

ليس كل صمت يدل على جهل في علم شيء ما، بل قد يختار الصمت من صمته أبلغ من كلامه، فالصمت لغة يفهمها حذاق البشر إن اختاروها مسلكاً ومأمناً.
والصامت قد يضع الأمور في نصابها، في عقله التخيلي، ويقلبها رأساً على عقبٍ ليصل إلى يقين الفكرة وصوابها، لذا يحتاج الأمر إلى صبر وتؤدة، لبذل الكلام إزاء القضية المطروحة.
والصامتون قد يكونون عقلاء الأمة، لكن أفكارهم ورؤاهم غير متقبلة في موضع معين، أو وقت معين، وأحياناً في زمن لم يولد بعد. اختاروا الصمت وآثروا السلامة، وكبحوا جماح المخالفة حرصاً على المؤتلف.
يسود الصمت حين يكثر اللغط، وتلوح بروق التجهيل، ويقدم كل ذي غير اختصاص ليتحدث، فيُسْمَعُ بالآذان، وتفتح له أبواب الجنان، ويأخذ كلامه ولا يرد، ويُنْهَلُ من معينه الذي لا ينفد، ويبقى صاحب الرأي السديد صديق فكره، وحبيس صمت عقله.
وفضيلة الصمت يدركها الحذاق – كما أسلفنا – فيعمدون إلى من اعتادوا صواب رأيهم وقد صمتوا، فيبادرون نحوهم، ويسعون إليهم، طلباً منهم الإفصاح عن رأيهم الذي غُيِّب وسط تزاحم الآراء.
وللصمت فوائد أُخَّرْ، منها تعويدنا الإنصات وحسن الاستماع إلى الغير حتى ينتهي إلى عرض رأيه بجلاء، ليتيح للصابر مثل هذه الإتاحة التي تمكنه من بسط الرأي، والتوسع في المسألة بغية الوصول إلى الأمثل والأصوب والأكمل.
والصمت يخنق الغضب، ويجعل العقل يستوعب العواقب المترتبة على حدة الكلام أو فحشه، مع إدراكنا للمعاناة التي يكابدها الصامت في حالة كتمه للغضب. لذا عدَّ الكاظم عن الغيظ كيساً وفطناً في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم.
والصمت قد تعبر عنه العينان، على اعتبار أنهما بريد القلب الذي يرسل رسائل يقف الفاحص حائراً على مدى صحتها، فيزداد شغفاً في الاستيضاح عنها من الذي التزم الصمت، وجال بعينيه معبراً.
نقول: في أخلاقنا وطباعنا ما يجعل الكلام يحلو ويستساغ في قلوب الأحباب والأصدقاء، إنها فضائل مقصودة، يسير في ركابها القاصدون الخير في كل وجهة.

د. سعود محمد العصفور
dr.al.asfour@hotmail.co.uk

عن د. سعود محمد العصفور