يلتفت العديد من سياسيي واقتصاديي الخليج إلى مؤشر نسبة الدين العام من إجمالي الناتج المحلي، ويفترض أغلبهم بأنه قد حان الوقت ليكون هذا المؤشر على النحو السليم والصحي اقتصادياً، لتبلغ نسبته ما يقدر بـ 30 في المئة في عام 2020. والمعضلة المخجلة هي أن يتم افتراض مدى سلامة هذا المؤشر وصحته من خلال قراءة «النسبة» نفسها فقط، وتجاهل «ما سيتم فعله في هذه النسبة».
ولإدراك مدى سلامة مؤشر نسبة الدين العام من إجمالي الناتج المحلي وصحته، فإنه يتوجب علينا أولاً فهم العوامل المؤثرة في مؤشر إجمالي الناتج المحلي لوحده! ففي حدود الدولة، وبشكل سنوي، يساهم ارتفاع كل من الاستهلاك المحلي، والمصاريف الحكومية، والاستثمار، والصادرات في ارتفاع مباشر لهذا المؤشر. وفي الجهة المقابلة، فإن ارتفاع الواردات يؤثر سلبا وبشكل مباشر في المؤشر ذاته. والجدير بالذكر أن تلك العوامل يرتبط بعضها ببعض بشكل مريب، فقد يعتقد البعض أن المنح الحكومية تسبب ارتفاعاً في كل من المصاريف الحكومية والاستهلاك المحلي، وقد ترفع مؤشر إجمالي الناتج المحلي بشكل مباشر. ولكن ما يجب أخذه في الاعتبار، هو أن الاستهلاك المحلي قد تنتج عنه زيادة كبيرة في واردات الدولة التي قد توازن الارتفاع في كل من المصاريف الحكومية والاستهلاك المحلي، مسببة لشبه عدم تأثر هذا المؤشر.
فالرفع الصحي لإجمالي الناتج المحلي يجب أن يكون إذا وفقط إذا ما تم تحفيز الاستثمارات المحلية عن طريق استقطاب رؤوس الأموال الخارجية، والتشجيع على الصناعة المحفزة للصادرات والمخفضة للواردات. ولخلق بيئة تعمل على التحفيز فمن الطبيعي أن تكون هناك تكلفة يغطيها الارتفاع في الدين العام! فإن كان هذا الارتفاع سيبلغ اليوم 30 في المئة من أجل تعزيز مؤشر إجمالي الناتج المحلي بشكل صحي، فتلك النسبة ستنخفض غداً؛ والسبب يكمن في ارتفاع إجمالي الناتج المحلي بدين عام ثابت. عندها يمكن أن يُرفع الدين مجدداً إلى أن يصل إلى 30 في المئة من إجمالي الناتج المحلي الجديد، لتستمر نهضة اقتصاد الدولة بتلك الآلية. وفي هذه الحالة يمكننا القول إن الارتفاع في نسبة الدين العام من إجمالي الناتج المحلي إلى 30 في المئة يعد أمراً صحياً وسليماً، لما صنعه من استدامة مالية!
ولكن! ماذا لو كان هذا الارتفاع في الدين العام لا يقابله (وفق رؤية الكويت 2035) سوى مشاريع تم ضمها بقائمة مشاريع تعزز الاستدامة الاقتصادية «اسمياً» وهي «فعلياً» بعيدة كل البعد عن الاستدامة الاقتصادية؟ فتلك المشاريع، بشكل أو بآخر، تؤثر سلباً في موارد الأجيال القادمة، إضافة إلى كونها لا تساهم بشكل جذري البتة في تحفيز الاستثمارات أو زيادة الصادرات أو تقليل الواردات. عندئذ فهل سيكون ارتفاع الدين العام إلى 30 في المئة أمراً صحياً لاقتصاد الدولة؟
فيا معالي الوزير المختص، إن اقتباس عذر «الأمر الصحي اقتصادياً» من اقتصادات أخرى، وربطه بقضية ارتفاع نسبة الدين العام، لهو أمر لا يقبله عقل عاقل! فلكل اقتصاد معطيات وأهداف، وبالأخص «آليات عمل»، تعلم ونعلم أننا لا نجرؤ على اقتباسها. فإن أردت تبرير ارتفاع هذه النسبة، فعليك توضيح وظيفة هذا الارتفاع في التحفيز الجذري للاستثمارات أو زيادة الصادرات أو تقليل الواردات، فقط!

عبدالله بن سالم السلوم
abdullah.com.kw
alsalloumabdul@alqabas.com

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking