القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / اقتصاد / تخطيط منهجي.. للإساءة

للتاريخ والأمانة

تخطيط منهجي.. للإساءة



تساءل المقربون لي عن مبررات غيابي عن احتفالية افتتاح المبنى الجديد لـ«بنك الكويت المركزي»، ولم أستطع التعلل بأسباب شخصية مثل السفر أو المرض، وأبلغتهم بأن غيابي كان لسبب موضوعي، ومن أجل تكريس الاحترام لمؤسسة كان لي شرف المساهمة الرئيسية في تأسيسها.
فالأصل عند كتابة تاريخ المؤسسة، أن يلتزم القائمون عليها في أي حقبة من الزمن، جانب الموضوعية، أي سرد أدوار القائمين عليها وفقاً لأهمية الإنجاز، وليس وفقاً لأهمية اسم أو القرب أو البعد من هذا الشخص أو ذاك. وذلك لم يحدث، وأول مؤشراته الطريقة التي عوملت بها عند حضور حفل تكريم محافظها السابق الشيخ سالم عبدالعزيز الصباح بعد استقالته، فلم أحظ بما يتطلبه منصبي كأول محافظ للبنك والقائم على تأسيسه من اهتمام، وكنت على هامش الاحتفالية. لم أغضب حينها ولم أُثِر غضب أحد برد فعل شخصي، ولكنني بت جازماً بأن ما يحدث مقصود، وبعيد عن الموضوعية، ومبرره الوحيد هو تقديم شخص آخر على أنه صاحب الفضل في بناء تلك المؤسسة.
وفي موقع آخر، حين تسلمت دعوة لحضور أحد اجتماعات لجنة الشؤون المالية في مجلس الأمة لبحث وثيقة الإصلاح المالي والاقتصادي، بحضور وزير المالية ووزيرة الشؤون الاجتماعية ومحافظ بنك الكويت المركزي الحالي، والأخ فيصل الشايع وبعض النواب وفعاليات اقتصادية ومالية من القطاع الخاص، وكنت آخر المتحدثين، وبعد إنهاء كلمتي التي أثنى عليها وزير المالية، طلب المحافظ الحالي الكلمة مرة أخرى، وذكر بأني والشيخ سالم عبدالعزيز الصباح من مؤسسي بنك الكويت المركزي.
فوجئت من مداخلته ولم أرغب في التعقيب في حينها لأن الظروف لم تكن مناسبة، ولاعتقادي بأنه سوف يقرأ كتابي «ونصحت لكم» الذي كان في المراحل الأخيرة من الإصدار، ويعرف الحقيقة التاريخية التي من المفترض أن يعرفها جميع القائمين على إدارة البنك. ومع احترامي لشخص الشيخ سالم عبدالعزيز الصباح، فهو لم يكن له علاقة بمراحل التأسيس، فقد التحق بالعمل في بنك الكويت المركزي كموظف حديث التخرج لدى إدارة العمليات الأجنبية، وبعد سنوات طويلة من العمل في البنك، وفي إدارة كل اختصاصاتها متابعة الأعمال المصرفية في الخارج وتحديد سعر صرف الدينار الكويتي يوميا حسب آلية سلة العملات التي وضعتها قبل التحاقه بسنوات، وانحصر وجوده في العمل بذات الإدارة حتى أصبح مديرا لها قبل تركي للبنك.
ومن قراءة الصحف التي واكبت احتفال افتتاح المقر الجديد للبنك، تأكدت جازماً من غياب الموضوعية في صياغة تاريخ المؤسسة، حين تم طمس 5 سنوات من جهدي في المرحلة الأصعب، وهي مرحلة التأسيس. فقد كنت سكرتير مجلس النقد الذي تولى إصدار وإدارة أول عملة للكويت، وفيه بدأت فكرة وإجراءات تأسيس البنك المركزي، الذي كنت نائباً للمحافظ فيه، في أولى سنوات تأسيسه منذ عام 1968 حتى 1973، من دون وجود محافظ، وكنت من يوقع على الدينار الكويتي. والتاريخ الموضوعي للمؤسسة هو في سرد ذلك التاريخ، الذي يروي إرهاصات فكرتها وجهود تأسيسها ووضع مسودة قانونها بالتعاون مع الدكتور عزت الطرابلسي حاكم بنك سوريا المركزي وخبراء عرب وأجانب، ثم صياغة نظمها ولوائحها وبناء جهازها البشري، والأهم، هو وضع الأساس لرسالتها وقيمها والدفاع عنها، وذلك ما تم تجاوزه.
لذلك لا أعتقد بأنني خسرت كثيراً من غيابي عن احتفال افتتاح مقر البنك، أو الأيقونة، التي لم يرد وصف يماثلها لدى البنوك المركزية العريقة، والتي يمتد تاريخها إلى قرون عدة، وشيدت مقراتها الحالية قبل عشرات السنين، ولم نسمع عن أن الإسراف في إنفاق المال يصنع أيقونة الحجر، ولكن، الأيقونة الحقيقية هي بناء البشر والقيم والفكر الذي يحملونه، وذلك ليس في وارد اهتمامات البنك في احتفالياته.
في كتابي الذي صدر مؤخراً «ونصحت لكم»، سرد لتجربتي في تأسيس وعمل بنك الكويت المركزي، وشمل السرد السنوات الخمس التي تم طمسها حين عملت فيها سكرتيراً لمجلس النقد، وخلالها بالإضافة إلى عملي، أي من 1963 حتى عام 1968، كلفني سمو الأمير الراحل جابر الأحمد الصباح بالعمل على تأسيس البنك، ومن المصادفة تواجد الدكتور عزت الطرابلسي حاكم بنك سوريا المركزي في الكويت آنذاك، الذي ساهم في إعداد قانون البنك وقمت بمراجعته بشكل دوري ومناقشته في مواد القانون والتأكيد على المواد المتعلقة باستقلالية عمل البنك المركزي، كما قام بمرافقتي في معظم الأحيان الدكتور عبدالمنعم الطنابلي مستشار الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح لمناقشة وبحث مواد القانون في لجنة الشؤون المالية بمجلس الأمة وكذلك تحت قبة البرلمان.
ثم 15 سنة أخرى، منها سنوات خمس تم طمسها أيضا من عام 1968 حتى 1973، حين بدأت العمل كنائب محافظ لوضع القواعد الأساسية لعمل البنك مع الخبير القانوني الدكتور وديع بدوي والسيد أولفسون من كبار الموظفين في بنك السويد المركزي. وكان الأولى بالقائمين على بنك الكويت المركزي استعارة ما كتب، ليس لأنه لي، ولكن لأنه جزء من تاريخ المؤسسة، وهو مدون ولا يحتاج جهدا، ولكن النوايا ليست محايدة ولا مهنية، كما أنه تشويه يضع الباحث المتابع لمراحل توثيق تاريخ البنك المركزي في حيرة وتساؤل، من كان يدير البنك خلال تلك السنوات؟
وفي ذلك المحتوى المهمل، كان هناك سرد لمحاولات جادة للدفاع عن استقلالية البنك المركزي، التي وضعت موادها في حدها الأقصى الذي يسمح به الدستور الكويتي، والتمسك بهذه الاستقلالية على الرغم من الضغوطات المتعددة لتقليص مسؤولياتي كمحافظ للبنك. وفيه أيضاً بذرة لإجراءات تعزيز كفاية رأس المال الاستباقية في السنوات الأولى من التأسيس ضمن سياسة التحوط، حين قرر بنك الكويت المركزي – على الرغم من احتجاجات بعض البنوك – ضرورة الحصول على موافقته المسبقة قبل الإعلان عن أرباح البنوك للتأكد من كفاية رأس المال بدرجاته المختلفة، وضمن سياسة الحوكمة بإلزام مجلس إدارة البنوك بالإشراف على أعماله والاطلاع على نتائج التفتيش، كل ذلك كان قبل ناتج توصيات بنك التسويات الدولية ومقره «بازل» والتي سميت «بازل 1» و«بازل 2» و«بازل 3»، . وفي ما كتبت، يتضح أسبقية مؤسسة بنك الكويت المركزي في التنبه لمركزية المخاطر، فكان طالب القرض أو عميل أي بنك يعطي رقماً في إدارة الرقابة المصرفية، وكانت دراسة ملاءته أساس الموافقة إذا ما لجأ للاقتراض من بنك آخر، لأن معلوماته متاحة لدى البنك المركزي. وكان البنك المركزي في زمني حريصا جداً على عدم التساهل مع شركات الاستثمار وضمنها بداية إنشاء الشركة الدولية للاستثمار، وعدم الموافقة على منحها حق قبول الودائع على الرغم من الضغوط الكبيرة.
بينما تم لاحقاً من ضمن الإخفاقات شراء المديونيات الصعبة دون الاعتبار للمراكز المالية للمدينين، وفوضى تأسيس الشركات الاستثمارية والترخيص لـ 99 شركة استثمار بين النظام التقليدي والإسلامي، حادت عن أغراضها الرئيسية وتجاوزت ديونها أربعة أضعاف حجم رأسمالها، نتيجة ضعف الرقابة الفعالة على أنشطتها، لتلقي أزمة العالم المالية في عام 2008 تداعياتها، وذلك لم يكن يخدم هدف الكويت للتحول إلى مركز مالي، وإنما أدى إلى زيادة كبيرة في تكاليف تلك الأزمة. وبعد سنتين من الأزمة العالمية تعافت معظم أسواق المال، بينما ما زالت حتى الآن في السوق الكويتي تستنزف أرباح البنوك، أما بقية الشركات الأخرى فإن أسهمها تباع وتشترى بأفلاس قليلة بعدما كانت تتجاوز الدنانير، لقد أسهمت الأزمة العالمية في تعرية فقاعات المضاربة بالبورصة. وما زلت أتساءل ماذا كان سيحدث لو وافقت على منح الشركة الدولية للاستثمار حق قبول الودائع وعشرات الشركات التي أنشئت بعد ذلك وكيف ستتم حماية أموال المودعين؟
واستكمالا لتلك الإخفاقات تصريح لمحافظ بنك الكويت المركزي للصحف المحلية بتاريخ 14 مارس 2016 يحذر فيه من خطورة تخفيض التصنيف الائتماني، حيث تطرقت برأيي في هذا التصريح الخطير في كتابي «ونصحت لكم».
وفي الختام، لست غاضباً، وليس من طبعي أخذ الأمور من الجانب الشخصي، ولا أحتاج إلى اتصال تطييب خاطر من أحد، ما أحتاجه هو احترام تاريخ مؤسسة وضعت أساساتها بشكل صحيح، ويتطلب احترامها حفاظها على صدقيتها. والاحتفالات مهما بلغ صيتها، تبقى من أعمال الدعاية والعلاقات العامة، أما البنوك المركزية، فهي تحتاج إلى الكثير من العمل والقليل من الدعاية والإعلان، واهتمامي ينصب على الشق الأول.
ولدي أمل أن يقوم بنك الكويت المركزي، على إرجاع القواعد الأساسية التي بدأها خلال عمله في السنوات الأولى الطويلة منذ تأسيسه، وإدارته، لإزالة التشوهات التي ألحقت بتاريخه، وليتمكن من التعامل مع التحديات الخطيرة التي سيواجهها الاقتصاد الكويتي في المستقبل، « إن المستقبل في حياة الدول والشعوب دائما قصير».

حمزه عباس

عن حمزه عباس