القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / محليات / هل تنازلت عني يا مقاتلي الصغير؟

هل تنازلت عني يا مقاتلي الصغير؟

المرحوم فهد يوسف الزبن


بقلم: عالية الخالد|

«إن أولادكم ليسوا أولادكم، إنهم أبناء وبنات الحياة المشتاقة إلى نفسها. بكم يأتون إلى العالم ولكن ليسوا منكم».. كان هذا البيت، لجبران خليل جبران، دائماً ما يردده والدي رحمه الله، وكنت أستغرب ذلك لعجز والدي عن تطبيقه لمعنى البيت. لكن أتى اليوم الذي أذكر أنا شخصياً هذا البيت وأقر بضعفي وقلة حيلتي في تطبيقه.
فبي أتيت يا قرة عيني يا فهد، وعشت معك حياة أخرى. حياة غير اعتيادية قدمتها لي لتكون معلمي ومؤدبي، نعم أنت معلمي ومؤدبي وأفخر يا فهد أن أقر بأنك أنت من علمني الحياة وأدبني في ممارستها.
فرغم صغر سنك، الذي لم يتجاوز السنتين، قررت أن تقاتل مرضاً يجزع منه الكبير في رحلة دامت 14 عاماً بكل حب وسعادة وقبول.
علمتني الصبر والقوة والثبات واليقين يافهد. علمتني كيف يكون الإصرار والهدوء. كنا جسدين ملتحمين يا مقاتلي الصغير لتحقيق النصر عند مواجهتنا لكل معركة خلال رحلة الأربعة عشر عاماً. كم مرة بكيت من فرحة الانتصار ضد المرض وكنت أنت يا فهد دائماً تقول لي «لا تخافين يما أنا والله معاج».. وكنت أجيبك «الله حبيبي ونصيري وأنت بطلي المقاتل هبة وعطية رب العالمين لي». أنت نعمتي يا فهد أنت فضل الله علي يا فهد أنت فخري في الحياة يا فهد.
فهل تنازلت عني يا مقاتلي الصغير، بعد مشوار الأربعة عشر عاماً؟!

إصرارك وانتصارك
هل تذكر يا فهد، عندما أجمع كل الأطباء بأميركا على عدم مقدرتك على الإبصار مجدداً؟ إلا أنك أبصرت وأثبت لهم العكس..
هل تذكر تأكيدهم كذلك، عدم قدرتك على المشي مجدداً؟! إلا أنك مشيت!.. هل تذكر دخولك في غيبوبة وتأكيدهم عدم وجود إستجابة دماغية إلا أنك قررت أن تستجيب وأن تعود لي!..
تذكر كم مرة ومرة قاتلنا.. عندما تدهورت حالتك الصحية، وكانت حرجة، إلا أنك أبيت الاستسلام والتنازل؟ كم كان فضل الله علينا كبيراً يا فهد، وكم من مرة دعيناه واجتهدنا بالدعاء واستجاب لنا الله حبيبي ذو الفضل العظيم.
يقولون لي يا فهد، إن قوتي كانت هي السبب في مقاومتك وإصرارك على الانتصار، وأنا أغفر لهم جهلهم، فهم لم يعرفوك ولم يتعرفوا على فهد مقاتلي الصغير ولم يدركوا ما أعطيتني إياه وعلمتني إياه.. فأنا استمد القوة والعزيمة والإصرار منك ومن حبك يا فهد، ولم أشهد قوة كقوتك، ولا عزيمة كعزيمتك، ولا إرادة كإرادتك.. كما هو حال قلبك الصغير الأبيض المحب الجميل الذي علمني كيف أحب وكيف أكون أقوى بالحب وكيف أعطي دون انتظار المردود وكيف أتجاوز وكيف تكون الإيجابية.
فهل تنازلت عني يا مقاتلي الصغير وبعد كل ما أعطيتني إياه؟
أتيت لنا برسالة يا فهد.. وأتيت لنا بحكمة كبيرة يا فهد علمتنا إياها كلنا. فقد علمتني وعلمت والدك وأختك وأخاك، وأعطيت شيئا من حكمتك وبركتك لكل من عرفك واقترب منك من خلال حبك المتجلي، وابتسامتك الدائمة التي لم تفارقك طوال حياتك.
جعلت مني شخصا آخر يا فهد، ولا أخجل بأن أقر وأقول إني كنت ساذجة وتافهة من قبلك، لكني افتخر بأن أقول إنك أنت يا فهد من علمني وجعلني أنضج وأكون أكثر عمقا ووعيا بذاتي وبمن هم حولي وبعالمي.
يقولون يا فهد، إن البركة دائما تأتي بعد القبول بالأمر، وأنا قبلتك يا فهد وقبلت بكل ما قسمه الله لك. وكيف لا أقبل وأنت قطعة مني، أنت روحي وهوائي ونَفسي ونبض قلبي.. وأنت إلهامي وأنت من أرى الدنيا والمستقبل من خلاله.
قبلت أيها العزيز الغالي، فأتيت لنا محمّلا ببركة الصبر والحكمة واليقين والمعرفة والسعادة والحب. فأنت من قربني لله سبحانه، ومن علمني التوكل عليه واليقين به سبحانه، وأنت من كنت تقول لي «لا تخافين يما، الله راح يسويني زين».
معك يا فهد، رأيت عطيّة الله وخيره وقدرته. رأيت تجلّي آياته ووعده، فهو سبحانه من قال «ادعوني أستجب لكم»، وقال «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون».. والذي قال «هو الحي لا إله إلا هو فإدعوه مخلصين له الدين، الحمدلله رب العالمين».. فكم خيرك كثير وكبير يا روح أمك يا فهد. فهل بعد هذا المشوار تنازلت عني يا مقاتلي الصغير وبعد كل ما علمتني إياه؟

مقاتل جسور
يا من علمتني ألا أخاف؛ لأن الخوف انهزام واستعباد. يا من علمتني الفرق بين الخوف والحذر وكيف عليّ أن أحذر لكن لا أجزع. علمتني كيف تكون المواجهة الحكيمة، وتكون السيطرة في أشد المواقف خطورة، وعلمتني كيف أتخذ قراراً فاصلاً وموقفاً حازماً.
كم مرة ومرة يا فهد، وجدنا أنفسنا أنا ووالدك في هذا الموقف؟ وكيف لنا أن نقرر ما هو أفضل لك ونحن جهلاء بما هو آتٍ من نتائج، وبما هو أفضل لك.. ونحن ضعفاء وقلوبنا مرتعبة وأنفسنا قلقة عليك يا صغيري. إلا أن نظرةً إلى وجهك المسالم الجميل البريء المبتسم، أثناء هذه المواقف، تشحنني بالقوة والإصرار، فارفع رأسي الى ربي حبيبي وأقول: «يا رب»، فيأتيني خيره وفضله ويمنن به علينا يا روح امك يا فهد.
علمتني معنى الأمان يا فهد، وكيف لي أن أوجده وأعيشه رغما عن أي ظرف ووضع.
علمتني قيماً في الحياة ما كان بإمكاني تعلمها لولاك. علمتني التواضع واستشعار الغير والتواجد لهم. علمتني المسؤولية وكيف أتحملها. علمتني كيف أضحك وكيف أفرح. علمتني الكثير أيها الغالي الصغير يا بركة وعطية رب العالمين لي يا فهد.
لكن يبقى لكل شيء أوان. فبعد هذا المشوار، وبعد هذا القتال، قررت أن تتركني يا فهد بكل هدوء وسلام وحب. وحرصت أيها المقاتل الجسور أن نكون كلنا الى جانبك وحولك لتطمئن علينا فردا فردا. حتى إن أخاك المسافر حرصت على أن تنتظره حتى عاد من سفره لتطمئن على اطمئنانه بقضاء الله، كما اطمأننت علينا، وأبيت أن تتركه دون ذلك الاطمئنان. كم أنت جميل ومبارك يا فهد!
فهل فعلاً تنازلت عني يا مقاتلي الصغير؟

شجاعة الاستسلام
إني لأعلم جيداً يا مقاتلي الصغير، أنك لم تتنازل عني ولا عن عهدنا، لكون درسك الأخير لي علمني أن الاستسلام شجاعة وليس انهزاما وتنازلا. فالشجاع هو من يقرّ بلحظة التوقف والتسليم لواقع الأمور، وهذا لا يعني انقطاع الرسالة او التخلي عنها، بقدر ما يعني نضجها واستمرارها وإقرارا ببداية لمرحلة جديدة لها.
كما علمني درسك الأخير كيف أواجه أشد المواقف ألما وقسوة وشدة، وهو موقف الفراق وآهاته وألمه. وكيف لا أتألم على فراقك أيها الغالي العزيز وأنت مقاتلي الشجاع ومعلمي الحكيم وطفلي الصغير، وأنا أم فقدت قطعة من قلبها ووهن نبضها وسُلِبَت روحها وتاهت نفسها بغيابك يا صغيري. فكم نحن يا فهد ضعفاء ويتملكنا الهوان بأمرنا، إلا ان تسليمنا بمشيئة رب العالمين هي تسليم لحكمة وخير عظيم، أدرك بأني لا أعيه الآن لكني على ثقة بالخير الذي سيأتينا على يدك يا أجمل وأرقّ وألطف مقاتل يا حبيبي يا فهد.
وكما قلت، بركتك لم تنته يا فهد، كما هي رسالتك لم تنته. فالله لا يخلق شيئا عبثا ولا باطلا ولديه بكل أمر حكمة، لهذا سأظل يا فهد كما علمتني صابرة، متيقنة، ثابتة، مبتسمة، محبة.. وسأسعى خلف حكمة رب العالمين بكل ما فيها من خير وبركة. فكما قال جبران في تتمة بيته السابق:
«أنتم الأقواس وأولادكم سهام حيّة قد رمت بها الحياة عن أقواسكم، فإن رامي السهام ينظر العلامة المنصوبة على طريق اللا نهاية.. لذلك فليكن التواؤكم بين يدي رامي السهام الحكيم لأجل المسرة والغبطة، لأنه كما يحب السهم الذي يطير من قوسه، هكذا يحب القوس التي تثبت بين يده».. فبينما يحتم علي دوري كأم أن أكون القوس والرامي لك بهذه الحياة، إلا انك يا فهد قوسي الجميل الذي رمى بي للعلامة المنصوبة على طريق اللا نهاية، ورامي السهام الحكيم ذي الالتواءة الرقيقة للمسرة والغبطة التي اعطيتنا إياها طيلة الاربعة عشر عاما المنصرمة، وستكون يا فهد حيا سعيدا جميلا في نفسي، وحيا حكيما ومتجليا بكل ما علمتنا إياه، سواء عند الذي عرفك او لم يعرفك.. وإني لعلى ثقة بأن كل من لم يعرفك سيعرفك من خلال أثرك الجميل القادم يا أجمل فهد.
ربي يجمعني معاك بأفضل الأحوال يا حبيب أمك يا فهد حتى أضمك بحضني يا شفيعي.. فكم أنا مشتاقة لك يا طفلي الصغير.
بقلم: عالية الخالد
والدة فهد يوسف الزبن