لم يحتفل المسيحيون في صعيد مصر بعيد الفصح هذا العام، تضامناً مع ضحايا تفجير الكنيسة القبطية في الإسكندرية وخوفاً على سلامتهم.
لقد بدأ هذا الأسبوع المقدسّ لمسيحيي مصر بأنباء التفجيرات التي ذكرتنا بالأخطار التي لا تهدد أقباط مصر فقط، بل المسيحيين الآخرين في العالم العربي.
ولا يستثنى من ذلك سوى مسيحيي لبنان وذلك بسبب عددهم وطبيعة النظام السياسي في هذا البلد، لكن في مصر والعراق وسوريا أو حتى فلسطين، يواجه المسيحيون مخاطر كبيرة.
الوضع في فلسطين فريد، حيث يعاني المسيحيون والمسلمون، على حد سواء، من الاحتلال الاسرائيلي. فقد فقدوا أراضيهم ومصادر رزقهم وحرية الحركة. ففي هذا الأسبوع المقدس، يتمكن مسيحيو بيت لحم وبيرزيت ورام الله فقط، وبصعوبة بالغة، من الوصول إلى مدينة القدس، فالكثير من الفلسطينيين يرون القدس من شرفات منازلهم لكنهم لا يستطيعون الوصول إليها بسبب الجدار الفاصل والقيود التي تفرضها سلطات الاحتلال ونقاط التفتيش. كل هذه الإجراءات دفعت بالكثير من مسيحيي فلسطين إلى الهجرة إلى الغرب.

تفكيك أجهزة الدولة
أما وضع المسيحيين في العراق وسوريا فهو شيء مختلف. ففي العراق، يعيش من تبقى من المسيحيين في خوف وخصوصا ما بعد عام 2003، بعد أن كانوا يتمتعون في عهد دكتاتورية صدام العلمانية، بقدر كبير من الحرية الدينية.
وكان من نتيجة الغزو الأميركي للعراق وتفكيك أجهزة الدولة أن اندلعت الحرب الأهلية بين المليشيات الطائفية وحدوث عمليات «التطهير العرقي» التي شملت السنة والشيعة والمسيحيين تحديداً، الذين لم تكن لديهم مليشيات تحميهم.
وأثناء السنوات الخمس الأول من الحرب الأهلية العراقية، تراجع عدد المسيحيين في العراق من 1.3 مليون نسمة إلى 400 ألف نسمة فقط، ومع ذلك لم يلتفت أحد من أركان إدارة بوش إلى محنتهم، وبدأ الغرب يعي هذه المأساة فقط بعد ظهور إرهاب «داعش».
وتواصل الكنيسة الآشورية الطلب من المسيحيين الصمود وعدم مغادرة البلاد، وربما تُمنى شبكة «داعش» بالهزيمة قريباً، وقد تحظى الأقليات بشكل من أشكال الحماية، لكن المخاوف تظل قائمة ويستمع الكثيرون إلى أصوات الإحباط التي تذهب إلى أنه لا مستقبل للمسيحيين في العراق.
وفي سوريا، وفرّ نظام بشار القمعي الحماية للأقلية المسيحية وكسب تأييد زعماء الكنائس الذين يخشون «داعش» وعدد من مليشيات الفصائل الأصولية المتطرفة طائفياً، وبقي معظم المسيحيين في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، لكنهم قلقون لأنهم يجدون أنفسهم محاصرين بين شرين، ويواجهون مستقبلاً غامضاً.
حكم {الإخوان المسلمين}
الكنيسة القبطية هي الأكبر في الشرق الأوسط ويصل عدد اتباعها ما بين 8 ــــ 10 ملايين شخص، وعلى الرغم من عددهم، وربما بسبب هذا العدد، يجدون أنفسهم عرضة للهجمات، لا سيما في ظل حالة عدم الاستقرار في البلاد على مدى السنوات الخمس الماضية.
لقد شعر المسيحيون خلال فترة حكم الإخوان المسلمين، أنهم مهددون من خلال ما رأوا انه محاولة لتسييس الدين وأسلمة الدولة على حسابهم، وفي عام 2013، انقلب الجيش على الرئيس المنتخب، فصوب الأصوليون الناقمون انتقامهم إلى المسيحيين، وتعرضت الكنائس خلال تلك الفترة للحرائق، وقتل المسيحيون أو تعرضوا للترويع.
ومنذ ذلك الحين، قام الرئيس السيسي وشيخ الأزهر بخطوات لدعم المسيحيين، ونددوا بالهجمات ونبذ التعصب، ودعَوا إلى مراجعة النظام التعليمي والمناهج الدينية، وشارك الرئيس في عدد من المناسبات المسيحية، واستضاف شيخ الأزهر البابا فرانسيس كجزء من الحوار بين الأديان.
هدف سهل
ولكن كل هذه الجهود قد تفشلها حملة القمع الحكومية، ليس فقط ضد الإخوان المسلمين، بل أيضاً ضد الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان والتجمعات السياسية العلمانية الأخرى التي شملت اعتقال عشرات الآلاف من المعارضين.
وبدلاً من جعل المسيحيين أكثر أماناً، أدت عمليات الاعتقال واشاعة أجواء القمع والخوف إلى إعاقة الجهود لبناء مجتمع أكثر تسامحاً واستقراراً، وأصبح المسيحيون «الهدف السهل» للتطرف الديني.
ويجب أن يكون الدرس واضحاً، وهو أن القمع قد يفيد في المدى القصير، لكنه لا يجلب الأمن والتسامح في المدى الطويل، بشكل يحمي الأقليات، فربما استفاد المسيحيون في العراق وسوريا من العلمانية المفروضة بالقوة أحياناً، لكن الاستياء الناجم عن القمع، أطلق موجة من التطرف المميت أغرقت كل شيء.
أما ردة الفعل الأميركية على مآسي مسيحيي الشرق، فهي مثيرة لخيبة الأمل تماماً، فنحن لم نفهم أبداً أو نقدر ما قد يحدث جراء الغزو الأحمق للعراق، وما زلنا نجهل الديناميات الداخلية التي تحرك الحرب في سوريا، وفي فلسطين، لا نزال نلوذ بالصمت على خنق إسرائيل للشعب الفلسطيني، وذلك لأن الإدارات الأميركية المتعاقبة لم تنظر إلى الفلسطينيين كبشر، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، وفي مصر، فشلنا في تحذير الحكومة المصرية من العواقب المحتملة لعدم احترامها لحقوق الإنسان.
وكانت نتيجة كل ذلك، تنامي الأخطار التي يتعرض لها مسيحيو الشرق الأوسط، الذين يمثلون الحلقة الأضعف.

 

د. جيمس زغبي*

* رئيس المعهد العربي الأميركي في واشنطن.

 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات